أعلن مسؤولون في الحكومة الفرنسية عن إطلاق خطة استراتيجية جديدة تتضمن 22 إجراءً لتعزيز ما يُعرف بـ"كهربة" مختلف مجالات الاستهلاك، بدءًا من المصانع والمساكن، مرورًا بوسائل النقل، وصولًا إلى الأفران التقليدية ومعدات الإنتاج الصناعي.
وبحسب صحيفة لوموند، فإن الخطة التي خصصت لها الحكومة تمويلاً إضافيًا يقدر بنحو 4.5 مليار يورو سنويًا، تأتي في سياق تداعيات الحرب في إيران، والتي ساهمت في ارتفاع أسعار الهيدروكربونات عالميًا، في وقت قدّرت فيه رئاسة الوزراء أن تكلفة النزاع في الشرق الأوسط على المالية العامة الفرنسية بلغت نحو 6 مليارات يورو.
وفي مقابلة مع صحيفة لو باريزيان، أكدت وزيرة الطاقة الفرنسية مود بريجون أن التحول نحو الكهرباء في مجالي السيارات والتدفئة يمكن أن يحقق وفورات للمواطنين تُعادل "راتب شهر إضافي".
وتشير أرقام أوردتها "لوموند" إلى أن النفط والغاز، إلى جانب الفحم بدرجة أقل، ما تزال تمثل نحو 60% من الطاقة المستهلكة في فرنسا، بتكلفة سنوية تقارب 60 مليار يورو، في حين تسعى الحكومة إلى خفض هذه النسبة إلى أقل من 30% بحلول عام 2035، مع رفع حصة الكهرباء إلى 38% مقارنة بـ27% حاليًا.
وتراهن باريس على مزيج طاقي يعتمد على الإنتاج النووي والطاقات المتجددة، إذ تُعد فرنسا من الدول المصدّرة الصافية للكهرباء، وتعمل على توسيع قدراتها عبر برنامج لإعادة إحياء الطاقة النووية إلى جانب إطلاق مناقصات جديدة لمزارع الرياح البحرية.
وتصف "لوموند" الخطة الحكومية بأنها واسعة النطاق وتمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، حيث تشمل دعم تركيب المضخات الحرارية بهدف الوصول إلى مليون وحدة سنويًا بحلول عام 2030، مقارنة بستة أضعاف مستويات 2025، إضافة إلى اعتماد عقود "مفتاح في اليد" التي تجمع بين التركيب والصيانة والتمويل وتوريد الكهرباء ضمن حزمة واحدة.
كما تشمل الإجراءات التحول الكهربائي في أفران الخبز التي لا يزال جزء منها يعمل بالغاز أو الزيت، إلى جانب المراجل الصناعية، والجرارات الزراعية، والسفن الصغيرة، ومعدات البناء، فضلًا عن دعم شراء السيارات الكهربائية عبر نظام التأجير الاجتماعي بما يصل إلى 50 ألف مركبة إضافية، وبكلفة لا تتجاوز 200 يورو شهريًا للأسر ذات الدخل المحدود.
وتتضمن الخطة أيضًا قرارًا حاسمًا يقضي بحظر استخدام الغاز، بما في ذلك المراجل الهجينة، في المباني الجديدة اعتبارًا من عام 2027، على أن يشمل الحظر المباني القائمة بحلول عام 2030.
كما أوضحت الصحيفة أن برنامج الدعم الحكومي (MaPrimeRénov) لن يسمح مستقبلاً بتمويل مشاريع التجديد السكني التي تبقي على أنظمة التدفئة بالغاز بعد أعمال التحديث.
وكشف رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو عن آلية تمويل الخطة، موضحًا أن المخصصات الإضافية لن تأتي من ميزانية جديدة، بل عبر إعادة توجيه اعتمادات قائمة، خصوصًا في إطار شهادات توفير الطاقة، وهي آلية تلزم موردي الطاقة بتمويل أو تنفيذ إجراءات خفض الانبعاثات.
وتعتزم الحكومة أيضًا تحديد 100 منطقة رائدة في مجال الكهرباء بحلول الصيف، بهدف تسريع الانتقال المنظم بعيدًا عن الغاز والنفط، ودعم التحول نحو الكهرباء في قطاع النقل والصناعة.
وفي السياق ذاته، تعمل الحكومة على تسهيل ربط المنشآت الصناعية بالشبكة الكهربائية في ظل تزايد الطلب على الكهربة، مع بحث حلول مؤقتة لربط بعض المشاريع الكبرى، لا سيما مراكز البيانات، بخطوط الجهد العالي.
في المقابل، أعرب أندرياس رودينجر، منسق التحول الطاقوي في معهد التنمية المستدامة والعلاقات الدولية (IDDRI)، عن شكوكه بشأن قدرة الموارد المالية الحالية على مواكبة حجم الطموحات الحكومية.
وانتقد رودينجر غياب إصلاحات ضريبية موازية، مشيرًا إلى أن الغاز الأحفوري لا يزال أقل عبئًا ضريبيًا من الكهرباء منخفضة الكربون، كما شدد على ضرورة معالجة مسألة استقرار الأسعار، معتبرًا أن كثيرًا من المواطنين لا يزالون غير مقتنعين بأن السيارات الكهربائية أو أنظمة التدفئة الحديثة ستوفر لهم وفورات حقيقية على المدى الطويل.