تعقيدات عدة مليئة بالمعادلات الصعبة، تطبع علاقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالنظام الإيراني خلال العام الأول من ولايته الثانية، والتي حملت حرب الـ12 يوما في يونيو الماضي، والوقوف على أعتاب عملية عسكرية جديدة خلال الأيام الحالية، غير معروف حقيقة تحضير واشنطن لها أم التراجع عنها.
وجاء ترامب في ولايته الثانية، حاملا ملف البرنامج النووي الإيراني والصاروخي الباليستي ورفضه لدور أذرع طهران في الشرق الأوسط، الأمر الذي حرك مباحثات مباشرة عبر وسطاء إقليميين ودوليين، لعقد مفاوضات يتم فيها الوصول إلى اتفاق جديد بين إيران والولايات المتحدة، إلا أن المرشد الإيراني ومعه المحافظون، رفضوا شروط الرئيس الجمهوري، ثم جاءت حرب الـ12 يوما.
وكانت فترة ما قبل الحرب في يونيو الماضي، شبيهة إلى حد كبير، بالأحداث والملابسات الجارية بين ترامب وطهران منذ ديسمبر 2025 وحتى الأيام الحالية، حيث عرض التفاوض في ربيع العام الماضي عبر وسطاء وكانت هناك التهديدات بتوجيه ضربة عسكرية ثم الحديث عن شروط أمام طهران للاستسلام وتنفيذ المطالب المتعلقة ببرنامج نووي سلمي وتحييد البرنامج الصاروخي ثم العودة للحديث عن تجهيز لمفاوضات، لتكون "استراتيجية المراوغة"، وهو الأمر القريب لما يحدث خلال الأيام الأخيرة من جانب الرئيس الجمهوري مع إيران، وسط مخاوف من تكرار سيناريو يونيو الماضي، باشتعال المواجهة بقيام إسرائيل بشن الضربات على المقدرات النووية الإيرانية بدعم أمريكي.
وانفجرت حرب الـ12 يوما، بشن إسرائيل في 13 يونيو الماضي، سلسلة غارات جوية استهدفت منشآت نووية رئيسة منها نطنز واصفهان وفردو بالإضافة إلى مصانع صواريخ باليستية ومراكز قيادة للحرس الثوري، ليتدخل ترامب بالضربة القاضية بعد أن وجد أثرا للرد الإيراني على تل أبيب، لتقوم قاذفات "بي – 2" الأمريكية باستهداف المواقع النووية في 22 يونيو؛ ما أدى إلى تدميرها بالكامل، ليتم وقف إطلاق النار في 24 يونيو 2025.
عدم المصداقية ينفجر في وجه ترامب
وواجه ترامب على خلفية هذه الحرب أزمة في المصداقية أمام الداخل والخارج عندما خرج ليتفاخر بنتائج تدمير المفاعلات النووية، بينما يجري الحديث عن أن المنشآت الإيرانية لم تدمر بشكل كامل؛ ما وصفه ترامب بالهراء، وتتجدد أزمة المصداقية من جديد في هذا المنحى، في ظل تلويحه بضربة جديدة للقضاء على البرنامج النووي الإيراني تماما، وهو ما أثار جدلا كبيرا حول حقيقة نتائج حرب الـ12 يوما.
ويقول المدير التنفيذي لمركز السياسات الخارجية العالمية الأمريكي، جاستن توماس راسل، إن إيران تحمل جانبا من التشكيك في مصداقية ترامب طوال فترة العام الأول من ولايته الثانية، وذلك عندما ذهب إلى حرب الـ12 يوما وأعلن من هناك تدمير البرنامج النووي وتقليص نفوذ طهران في المنطقة، ثم جاء الحديث من جديد مؤخرا، عن أن هذا البرنامج مازال يحمل تهديدا وشيكا للأمن القومي الإسرائيلي والأمريكي.
وأضاف راسل في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن ترامب أحدث تناقضا بالحديث عن الشيء وعكسه، فطالما تم الإعلان في يونيو الماضي عن تدمير البرنامج النووي، فلماذا يكون الذهاب من جديد للتعامل مع تهديد من مثل هذا المشروع؟، وفق تعبيره.
سياسة معقدة ومتشعبة
ويرى راسل أن سياسة ترامب تجاه طهران معقدة للغاية، بل ومتشعبة إلى حد ما، وهي تكتيكية أكثر منها استراتيجية، ولذلك عندما يتعلق الأمر بإيران، يتعين على إدارة الرئيس الجمهوري أن تجيب عن تساؤلات من قبيل: "إذا كنتم تعتقدون أن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تتدخل في تغيير النظام، فلماذا تصرون على تغيير السلطة هناك؟!".
وبحسب راسل، فإن مع كل هذه التداخلات، يسعى ترامب بالفعل إلى تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، في وقت تستمر إيران في معارضة أي استقرار حقيقي للمنطقة تشارك فيه الولايات المتحدة، وفي النهاية سيتخذ الرئيس الأمريكي إجراءات لمواجهة هذا الموقف.
العقوبات المستمرة وضغط نتنياهو
وفرض ترامب مجموعة من العقوبات الحادة على إيران على مدار أكثر من عام، ما زاد من الضغوط الاقتصادية في الداخل، من بينها قائمة عقوبات بحق مئات الشخصيات والكيانات المرتبطة بالحرس الثوري وشركات طيران وشحن، مع تجميد جميع أصولهم المحتملة في الخارج، ومنع أي مؤسسة مالية تتعامل مع الولايات المتحدة من التواصل معهم.
وفي ظل الإلحاح المتكرر من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على ترامب منذ أكتوبر الماضي، بشن حرب جديدة على إيران، للإجهاز على البرنامج النووي الذي تعمل إيران على إحيائه، ومع فرض البيت الأبيض، المزيد من العقوبات، تأتي المظاهرات الحالية في إيران، والتي هدد على أثرها الرئيس الجمهوري السلطات بشن حرب لحماية المتظاهرين، ليكون التحول مجددا من ساكن البيت الأبيض في موقفه، بتراجع شكلي عن توجيه الضربة، بعد أن وجه الشكر للنظام، لوقفه تنفيذ أحكام الإعدام بحق محتجين، وسط جدل حول التزامه في هذا الإطار بـ"استراتيجية الغموض".
وفي هذا الصدد، يتوقع مراقبون عدم تراجع ترامب عن توجيه ضربة عسكرية لإيران، معتبرين أن المشهد الحالي يعيد تكرار سيناريو "حرب الـ12 يوماً"، مؤكدين أن ترامب يعتمد استراتيجية "التمهيد بالتفاوض" التي سبقت حرب يونيو/ حزيران الماضي، حين أبدى مرونة لعقد لقاءات رسمية وادعى قرب الاتفاق، قبل أن ينقلب فجأة بذريعة رفض طهران لشروطه.
ورأى مراقبون أن الولايات المتحدة تمضي نحو حسم الملف الإيراني وفق شروطها الخاصة، والتي تتركز على تفكيك البرنامج الصاروخي وتقليص مداه إلى 200 كم فقط، مع تصفية البرنامج النووي بالكامل وضمان خضوعه لرقابة أمريكية مطلقة.