لم يكن اسم أرنو فريون معروفًا قبل اليوم، حتى أُعلن أن العسكري الفرنسي قُتل في هجوم بطائرات مسيّرة استهدف قاعدة التحالف الدولي بمنطقة أربيل في كردستان العراق.
بذلك، أصبح فريون أول جندي فرنسي يسقط منذ اندلاع الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن خبر وفاته في منتصف الليل عبر إكس، مضيفًا أن ستة جنود آخرين أُصيبوا في الهجوم ذاته. والسؤال الذي فرض نفسه فجأة على باريس: هل لا تزال فرنسا خارج الحرب؟
منذ اندلاع عملية "الغضب الملحمي" في 28 فبراير/ شباط، اختار ماكرون طريقًا وسطًا بالغ الدقة، ففرنسا لا تنضم إلى واشنطن وتل أبيب في ضرب إيران، لكنها لا تقف ضدهما.
أرسلت فرنسا حاملة الطائرات شارل ديغول نحو المتوسط بذريعة "حماية المصالح الفرنسية وحلفائها المستهدفين"، وزار ماكرون قبرص في إشارة دعم لحليف أوروبي تضررت أراضيه من الصراع. لكن كل هذه التحركات كانت تسير على حبل رفيع: دعم عملي بلا إعلان حرب، وفق قناة "بي أف أم".
هذا الخط الرفيع هو ما قررت "أصحاب الكهف" تجاهله تمامًا، فالميليشيا الموالية لإيران أعلنت في بيان مباشر أن توجّه شارل ديغول نحو المنطقة يُعدّ في نظرها انحيازًا صريحًا للتحالف الأمريكي الإسرائيلي، وأن باريس ستدفع ثمنه. وكان ردها عمليًا لا كلاميًا: قاعدة أربيل، وجندي قتيل، وستة جرحى.
ماكرون رفض الربط بين الهجوم والحرب الإيرانية، مؤكدًا أن وجود جنوده في العراق "يندرج في الإطار الصارم لمكافحة الإرهاب منذ 2015، والحرب في إيران لا يمكن أن تُبرر مثل هذه الهجمات".
مع ذلك، فإن هذا التمييز الذي يبدو منطقيًا من باريس لا يبدو كذلك من طهران وعواصم الميليشيات الموالية لها. ففي نظرها، كل وجود غربي في المنطقة أصبح هدفًا مشروعًا منذ اللحظة التي أبحرت فيها شارل ديغول.
الباحث داڤيد ريغوليه-روز، من المعهد الفرنسي للتحليل الاستراتيجي، يضع الهجوم في سياقه الأوسع، مشيرًا إلى أن "أصحاب الكهف" جزء من "شبكة المقاومة" في العراق، الموالية لإيران والمنبثقة من الحشد الشعبي.
ولفت إلى أن المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي شكر هذه الفصائل علنًا على دعمها، ما يعني وفق الباحث أنها "ستُوظَّف بشكل متزايد" كلما اشتدت الحرب.
وفي الأربع والعشرين ساعة الأخيرة وحدها، استقبلت منطقة كردستان العراق أكثر من خمسة وثلاثين هجومًا بطائرات مسيّرة وصواريخ، وتعرضت قاعدة إيطالية في المنطقة ذاتها لهجوم مماثل دون ضحايا.
المعادلة التي وجدت فرنسا نفسها أمامها الجمعة لا تحتمل مواربة، فهناك ثلاثة خيارات لا رابع لها.
الخيار الأول: الانسحاب من العراق لحماية جنودها، وهو ما سيُفسَّر كانتكاسة مدوية. الثاني: التمسك بالموقف الحالي مع تعزيز الحماية، وهو ما يعني قبول المزيد من الخسائر البشرية المحتملة. الثالث: الانتقال إلى موقف أكثر عدوانية والرد العسكري المباشر، وهو ما سيُسقط رسميًا ورقة التوت الأخيرة عن "حياد فرنسا"، بحسب ما تشير إذاعة "فرانس إنفو".
ماكرون الذي راهن على الحفاظ على هامش الاستقلالية الفرنسي في أشد الأزمات تعقيدًا منذ سنوات، أصبح اليوم بمواجهة ما لم يكن يريد مواجهته: حرب قررت بنفسها أن تطرق باب الإليزيه.