اعتبر موقع "بلومبيرغ"، أن رئيسة الوزراء اليابانية المنتخبة ساناي تاكايتشي، "أسكتت" الجميع بعد تحولها من شخصية مثيرة للجدل إلى زعيمة لا يمكن تجاهلها.
وبحسب تقرير لـ"بلومبرغ"، فإن فوز رئيسة الوزراء اليابانية الساحق في الانتخابات ليس مجرد رهان على جاذبيتها، بل هو تجربة جديدة في القومية الاقتصادية.
وأضاف التقرير، أن "تاكايتشي استطاعت أن تغيّر موازين النقاش السياسي، وتُسكت الكثير من منتقديها من خلال نجاحها الانتخابي القوي وفرض حضورها السياسي".
"فقط اصمتوا، واستثمروا كل شيء فيّ"، هكذا قالت تاكايتشي العام الماضي، مستلهمةً من مسلسل الأنمي "هجوم العمالقة"، بينما كانت تسعى للحصول على دعم الناخبين في اليابان والمستثمرين من جميع أنحاء العالم.
وبينما كانت توصف تاكايتشي سابقًا بأنها متشددة وصدامية، فإن نجاحها السياسي الأخير غيّر نظرة الكثيرين إليها.
وأكد الموقع، أن "الانتصار الحاسم الذي حققته تاكايتشي في الانتخابات الوطنية الأخيرة لا يمثل مجرد تفوق انتخابي، بل أفضى إلى تركّز نادر للسلطة السياسية يمنحها تفويضًا واضحًا لقيادة تحول اقتصادي يقوم على دور أكبر للدولة في توجيه الاستثمارات والصناعة".
وبحسب القراءة التي عرضها التقرير، فإن "النتيجة، التي وُصفت بأنها من الأكثر حسمًا خلال عقود، تبعتها موجة تدفقات رأسمالية أجنبية إلى الأصول اليابانية، إذ أعاد مديرو الصناديق العالمية تموضعهم تحسبًا لتحولات هيكلية في ثالث أكبر اقتصاد في العالم".
ويرى محللون، أن هذا الإقبال لا يعكس فقط ثقة في شخصية تاكايتشي القيادية، بل يمثل أيضًا دعمًا لنهجها الاقتصادي القائم على تدخل مالي واستراتيجي أكثر وضوحًا واتساقًا.
وتصف تاكايتشي برنامجها بأنه "سياسة مالية استباقية"، مؤكدة أن المقصود هو "نشر حوافز مالية بشكل استراتيجي، لا توسعًا إنفاقيًا متهورًا".
وفي خطاب سياسي حديث، أشارت إلى أن الهدف يتمثل في توجيه الإنفاق العام نحو أولويات استراتيجية مع الحفاظ على الاستقرار المالي، في محاولة لطمأنة الأسواق بأن التحفيز لن يتحول إلى انفلات مالي.
غير أن هذا التعهّد يُختبر في سياق مالي حساس؛ إذ تحمل اليابان أحد أعلى مستويات الدين العام نسبةً إلى الناتج المحلي الإجمالي عالميًا، وإن كانت تتمتع في المقابل بقاعدة ادخارية قوية وسجل طويل في تمويل ديونها بكلفة منخفضة. وترى الصحيفة أن المستثمرين يراهنون على قدرة الحكومة على توسيع الإنفاق دون إثارة أزمة مالية أو اضطراب في سوق السندات.
وفي هذا الإطار، يتركز برنامجها على تعزيز "الأمن الاقتصادي"، وهو مفهوم يشمل مرونة سلاسل الإمداد، وأمن الغذاء والطاقة، والاستعداد الصحي، وتعزيز القدرات الدفاعية، بما يعكس انتقالًا من الاعتماد شبه الحصري على السياسة النقدية الميسّرة إلى توجيه مالي أكثر استهدافًا وتركيزًا على الأولويات الاستراتيجية.
ويتمثل جوهر البرنامج، كما أوضح التقرير، في إعادة إحياء أدوات السياسة الصناعية التي تراجعت شعبيتها منذ أواخر القرن العشرين، وعلى رأسها دعم "الأبطال الوطنيين" وتركيز الموارد في قطاعات استراتيجية.
ورغم أن تجارب تاريخية سابقة في أوروبا والولايات المتحدة أظهرت مخاطر تدخل الدولة في اختيار الفائزين، فإن التحولات الجيوسياسية الحالية، من سباق أشباه الموصلات إلى إعادة ترتيب التحالفات الدفاعية، أعادت الاعتبار لهذا النهج، وفق التقرير.
وتُعد اليابان، بحسب مراقبين استشهدت بهم الصحيفة، مرشحًا مناسبًا لاختبار نموذج أكثر انضباطًا للقومية الاقتصادية، مستفيدة من قاعدة صناعية متقدمة وإطار مؤسسي مستقر.
وبحسب "أطلس التعقيد الاقتصادي" الصادر عن مختبر النمو في "جامعة هارفارد"، تُصنَّف اليابان منذ سنوات ضمن أكثر الاقتصادات تعقيدًا وتنوعًا في العالم، بفضل قاعدتها الصناعية المتقدمة، وهي نقطة اعتبرها التقرير ميزة هيكلية مهمة.
غير أن هذا التعقيد لم ينعكس بالكامل على العوائد المالية أو على قدرة الشركات اليابانية على التوسع عالميًا، بخلاف شركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة التي استطاعت الاستفادة من أسواق رأس مال عميقة وديناميكية.
ويرى بعض المحللين أن المنافسة المفرطة داخل السوق اليابانية أضعفت الربحية ومنعت عمليات الدمج والاستحواذ، ما أبقى قطاعات كاملة في حالة تفتت مؤسسي وأحجام تشغيلية دون المستوى الأمثل.
إلا أن الضغوط الديموغرافية، ولا سيما تقلص عدد السكان في سن العمل، بدأت تدفع الشركات إلى تسريع عمليات الاندماج بحثًا عن العمالة والكفاءة، ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في حجم وقيمة الصفقات خلال العام الماضي، في مؤشر على بداية تحوّل هيكلي محتمل.
وتأتي هذه التحولات، وفق التقرير، في سياق دولي يتسم بإعادة تسليح واسعة مع تراجع اليقين بشأن المظلة الأمنية الأمريكية. وقد أصبحت الصناعات الدفاعية والقطاعات الحساسة استراتيجيًا محورًا لإعادة هيكلة صناعية في عدة مناطق، من أوروبا إلى شرق آسيا.
وبالنسبة لليابان، التي تواجه تحديات جيوسياسية متزايدة في محيطها الإقليمي، يمثل تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية أولوية استراتيجية، بما يقلل الاعتماد على الموردين الأجانب ويعزز الاستقلالية في بيئة دولية أكثر تقلبًا.
وخلص تقرير "بلومبرغ" إلى أن تفويض تاكايتشي يضع اليابان أمام تجربة عالمية جديدة: هل يمكن الجمع بين انضباط السوق ودور أقوى للدولة في توجيه رأس المال، دون الوقوع في فخ الهدر أو عدم الكفاءة؟
فبعد عقود ارتبطت فيها اليابان بسياسات نقدية فائقة التيسير وإصلاحات تدريجية بطيئة، قد تتحول اليوم إلى نموذج مختلف يجمع بين التحفيز المالي الموجّه، وإعادة الهيكلة الصناعية، وأهداف الأمن الاقتصادي.
الرهان قائم، والأسواق تبدو حتى الآن مستعدة لمنح التجربة فرصة، كما تعكسه حركة التدفقات الرأسمالية الأخيرة.
ورغم أن البعض لا يزال لا يؤيد تاكايتشي، فإن قوتها السياسية ونتائجها الانتخابية جعلتا الانتقادات أقل فاعلية وأجبرتا الخصوم على إعادة حساباتهم.