أظهرت النتائج النهائية للانتخابات التشريعية في اليابان فوزًا ساحقًا ومريحًا لرئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي؛ ما منح الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم غالبية نيابية تمكنه من تطبيق مشروعه الدفاعي المثير للجدل.
ووفق مصادر إعلامية ميدانية، حصل الحزب الحاكم على 315 مقعدًا من أصل 465، بينما حصل شريكه في الائتلاف، حزب الابتكار الياباني، على 36 مقعدًا؛ ما يمنح الائتلاف الحاكم 351 مقعدًا، أي أكثر من ثلثي مقاعد البرلمان.
ويعد هذا الفوز استثنائيًا في تاريخ الحزب؛ إذ تمكن لأول مرة من اكتساح الغرفة النيابية بهذا الشكل، مضاعفًا نصيبه السابق البالغ 198 مقعدًا.
وفي المقابل، شهدت المعارضة تحولات ملحوظة؛ إذ قفز حزب "سانسيتو" المناهض للهجرة من مقعدين فقط إلى 15 مقعدًا، بينما تراجع تحالف الإصلاح الوسطي المعارض، المكوَّن من الحزب الديمقراطي الدستوري وحزب "كوميتو"، من 167 مقعدًا إلى 49 مقعدًا فقط.
وتدقّ بكين وموسكو ناقوس الخطر حيال هذه الانتخابات، معربة عن مخاوفها من "عسكرة اليابان"، وسط أنباء عن نية الحكومة اليابانية مراجعة المبادئ النووية التي بلورت العقيدة العسكرية للبلاد منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ويرى مراقبون للشأن الياباني أن الانتصار الكاسح وغير المسبوق لرئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي في الانتخابات التشريعية يعود أساسًا إلى شخصيتها وأدائها السياسي خلال الفترة الأخيرة.
ويشير المتابعون إلى أن تاكايتشي تعد أول مسؤول ياباني يناقش طبيعة العلاقات الثنائية مع الصين من زاوية السيادة اليابانية وحق طوكيو في اختيار حلفائها والدفاع عنهم، في خروج نسبي عن سياسة الانكفاء التي اتسمت بها اليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ووفق الخبراء، فإن التجاذب الإعلامي والسياسي الأخير بين طوكيو وبكين، حول تصريحات تاكايتشي بشأن احتمال انخراط اليابان في صراع مسلح في حال نشوب حرب صينية–تايوانية، وما فُهم منه صينيًا على أنه تحالف ياباني–تايواني ناشئ، ساهم في تعزيز شعبيتها لدى شرائح واسعة من الشارع الياباني.
ويشير المراقبون إلى أن رفض تاكايتشي سحب تصريحاتها أو تقديم اعتذار للصين شكل منعرجًا إيجابيًا لصالحها في الانتخابات، خصوصًا لدى الشباب، الذين يمثلون شريحة واسعة من المجتمع الياباني، ولم يعاصروا ويلات الحرب العالمية الثانية، ويعتبرون الانكفاء الياباني عن الملفات الدفاعية عبئًا غير مقنع على حاضر اليابان ومستقبلها.
وتؤكد المصادر الإعلامية اليابانية أن الانتخابات شهدت إقبالًا شبابيًا غير مسبوق، على الرغم من الظروف الجوية القاسية، التي كادت تؤثر على سير الاستحقاق الانتخابي أو نسب المشاركة، إلا أن الإقبال الكبير على صناديق الاقتراع حافظ على شرعية ونجاح العملية الانتخابية.
في الأثناء، بدا واضحًا أن رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي أحسنت قراءة استطلاعات الرأي ونوايا التصويت، التي كانت تمنحها تقدّمًا بنحو 70% بين الخزان الانتخابي في اليابان.
وربطت تاكايتشي بين شعبية حزبها المتصاعدة والتطلعات الشبابية، التي تسعى للتملص من الأعباء العسكرية والدفاعية وحتى النووية الثقيلة الملقاة على كاهل اليابان، والتي تحد كثيرًا من هوامش تحركها.
وبناء على هذا الاستقراء، وضعت رئيسة الوزراء برنامجًا انتخابيًا استثنائيًا، يقوم على العناوين الدفاعية والعسكرية، بهدف توجيه رسالة تفهّم للاتجاهات الجديدة في الرأي العام الياباني، وفي الوقت نفسه إرسال إشارات واضحة إلى بكين وموسكو بأن "يابان أخرى" في طور التشكل.
تشير المصادر السياسية اليابانية المطلعة إلى أن السياق السياسي الحالي، بعد الانتخابات التشريعية، أصبح مواتياً لتطبيق أبرز مطالب الحزب الليبرالي الديمقراطي، والمتمثل أساسًا في تعديل المادة التاسعة من الدستور الياباني، الذي يعود لعام 1947 ويعرف بدستور السلام.
وسبق لرئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي أن طالبت أكثر من مرة بتغيير المادة التاسعة، التي تنص في وضعها الراهن على نبذ الحرب كحق سياسي وتحظر الاحتفاظ بقوات برية أو بحرية أو جوية أو أي إمكانات حربية أخرى.
ويهدف الحزب من تعديل المادة إلى إضفاء الشرعية الدستورية على قوات الدفاع الذاتي واعتبارها "جيشًا وطنيًا"، وتغيير نص "نبذ الحرب" لتمكين اليابان من ممارسة حق الدفاع الذاتي أو الجماعي والمشاركة بفاعلية في الأمن الدولي، خاصة في ظل التهديدات الإقليمية المتصاعدة.
وفي حين تعذّر سابقًا إجراء أي تعديل بسبب غياب نصاب الثلثين، فإن نتائج الانتخابات الحالية تمنح الحزب الحاكم، سواء بمفرده أو بالتحالف مع بعض الأحزاب الأخرى، القدرة على تمرير التعديلات المطلوبة.
يشمل البرنامج العسكري لرئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي زيادة قياسية في ميزانية الدفاع، التي قُدّرت بنحو 60 مليار دولار، في قفزة كبيرة مقارنة بالسنوات الماضية.
ويتركز البرنامج على امتلاك أسلحة هجومية متطورة جدًا، قادرة على ضرب أهداف حساسة في عمق أراضي الخصم، تشمل صواريخ توماهوك والصواريخ الفرط صوتية وTYPE12، إضافة إلى استقدام نظام الدفاع الساحلي المتكامل SHIELD، الذي يعتمد على "الأسراب الآلية" والذكاء الاصطناعي ومقاتلات الجيش السادس.
وينطوي البرنامج أيضًا على تقارب كبير مع الولايات المتحدة، يسعى إلى دمج القيادة اليابانية مع القيادة الأمريكية في المحيطين الهادئ والهندي لتحقيق استجابة موحدة وسريعة للتهديدات، خصوصًا من تحركات القطع العسكرية الصينية والكورية الشمالية.
وتشير مصادر إعلامية وسياسية يابانية إلى أن مراجعات تاكايتشي لن تتوقف عند تعديل المادة التاسعة من الدستور، بل قد تمتد لمراجعة المبادئ الراسخة لعدم امتلاك الأسلحة النووية. فاليابان، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تتبع ما يُعرف بـ"اللاءات الثلاث" النووية: رفض امتلاك الأسلحة النووية أو إنتاجها أو إدخالها.
ويعتبر المبدأ الثالث، المتمثل في رفض إدخال الأسلحة النووية، الأكثر تعقيدًا، إذ تستفيد طوكيو من مظلة الردع النووي الأمريكي ضد التهديدات الصينية والروسية والكورية الشمالية. وتشير وثائق عسكرية أمريكية–يابانية إلى قبول رسمي بدخول السفن النووية الأمريكية المياه الإقليمية اليابانية، مع أن الإعلان الرسمي عن التخلي عن المبدأ الثالث قد يثير حفيظة بكين.
في المقابل، أكدت الصين وروسيا معارضتهما الشديدة لما وصفتاه بـ"تسارع وتيرة إعادة التسلح" في اليابان، محذرتين من أن هذه التحركات تهدد الأمن والسلم الإقليميين وتضع المجتمع الدولي في حالة "تأهب قصوى".
وقالت وزارة الخارجية الصينية، عبر المتحدث باسمها لين جيان على منصة "إكس"، إن اليابان بدأت تنفيذ "خارطة طريق فعلية" لإعادة عسكرة البلاد، متجاوزة القيود الدستورية على القوة العسكرية وحق إعلان الحرب، داعيةً جميع الدول المحبة للسلام إلى رفض إعادة التسلح والدفاع عن نتائج الحرب العالمية الثانية والسلام العالمي.