نجحت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في اجتياز اختبار بالغ الحساسية، بعدما خرج حزبها الليبرالي الديمقراطي فائزًا بأغلبية مريحة في الانتخابات التشريعية المبكرة، في خطوة وُصفت قبل أشهر بأنها "مغامرة سياسية" قد تُقصّر عمر حكومتها بدل أن تطيله.
لكن النتائج، بحسب توقعات هيئة الإذاعة اليابانية (NHK)، منحت تاكايتشي تفويضًا شعبيًّا جديدًا ورسخت موقعها كأقوى شخصية سياسية في البلاد منذ سنوات.
هذا الفوز لا يُقرأ فقط بلغة الأرقام والمقاعد، بل بصفته لحظة مفصلية في مسار اليابان الداخلي والخارجي، وفي صورة زعيمة جاءت من قلب التيار المحافظ، وتحمل وعودًا ثقيلة في اقتصاد منهك، وبيئة إقليمية مضطربة، وتحالف دولي لا يخلو من الشكوك، وفق "نيوزويك".
لم يمضِ على تولي سناي تاكايتشي رئاسة الحكومة سوى نحو 3 أشهر حين قررت حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة.
وبدت هذه الخطوة جريئة إلى حد التهور، خاصة في بلد اعتاد الحذر السياسي والاستقرار البطيء؛ لكنها اختارت أن تواجه الشارع مباشرة، معلنة بوضوح: "أضع مستقبلي كرئيسة للوزراء على المحك".
الرهان كان على عاملين أساسيين: شعبيتها الشخصية بصفتها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ اليابان، وصورة "القيادة الحازمة" التي سعت إلى ترسيخها في ملفات الأمن والاقتصاد.
وجاءت النتائج لتمنح حزبها ما بين 274 و328 مقعدًا من أصل 465، في مقابل تراجع واضح لمنافسيه، وتقدم محدود لليمين القومي.
حتى العوامل الطارئة، مثل تساقط الثلوج الكثيف الذي أدى إلى إغلاق بعض مراكز الاقتراع وأثار مخاوف بشأن الإقبال، لم تغيّر اتجاه التصويت العام.
ورغم تحذيرات منظمات مدنية من المساس بحق التصويت، بدا أن المزاج الشعبي قد حُسم مسبقًا لصالح الاستمرارية بدل المغامرة بالتغيير.
فوز تاكايتشي يمنحها هامشًا سياسيًّا واسعًا لتنفيذ أجندة لطالما أثارت الجدل. على الصعيد الاقتصادي، تعِد بسياسات مالية توسعية وخفض ضريبة الاستهلاك، في محاولة لتحفيز الطلب الداخلي وتخفيف العبء عن الأسر.
غير أن خبراء يحذرون من أن أي اهتزاز في سوق السندات أو تراجع إضافي في قيمة الين قد يقوّض هذه الخطط سريعًا.
أما في ملف الأمن القومي، فالصورة أكثر حساسية؛ حيث لا تخفي تاكايتشي رغبتها في الابتعاد عن النهج السلمي التقليدي، ورفع القيود عن صادرات السلاح، وزيادة الإنفاق الدفاعي، في ظل تصاعد التوتر مع الصين، خاصة بشأن تايوان وبحر الصين الشرقي.
هذه المواقف تلقى ترحيبًا لدى شريحة من الناخبين القلقين من البيئة الإقليمية، لكنها في المقابل تثير مخاوف من انزلاق اليابان إلى مواجهات مفتوحة أو ضغوط اقتصادية صينية أشد.
يحظى فوز تاكايتشي بدعم واضح من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وصفها بأنها "قائدة قوية وحكيمة"، واعتبر نتائج الانتخابات "مصيرية لمستقبل اليابان".
هذا الدعم عزز صورتها دوليًّا، وطمأن جزءًا من الناخبين بأن طوكيو ما زالت لاعبًا مركزيًّا في تحالفاتها التقليدية.
لكن هذا التقارب مع واشنطن لا يخلو من تعقيد. فبينما ترى دوائر أمريكية أن فوزها يخدم مصالح الولايات المتحدة في احتواء الصين ودعم تايوان، يحذر محللون من أن أي تراجع أمريكي مفاجئ في التزاماتها الآسيوية قد يضع اليابان في عزلة صعبة.
عندها، قد تجد تاكايتشي نفسها مضطرة لإعادة فتح قنوات التقارب مع بكين وسول، رغم خطابها المتشدد.
في المحصلة، لا يمثل فوز سناي تاكايتشي نهاية معركة، بل بدايتها الحقيقية؛ لقد كسبت الرهان الانتخابي، لكنها تدخل الآن اختبار الحكم الفعلي: هل تستطيع تحويل التفويض الشعبي إلى استقرار اقتصادي وأمني؟ أو أنَّ التحديات الإقليمية والتحالفات المتقلبة ستفرض عليها مراجعة حساباتها سريعًا؟ الأسابيع المقبلة وحدها ستكشف أي طريق ستسلكه اليابان في ظل قيادتها الجديدة.