غارة إسرائيلية تستهدف مركبة في محيط بلدة الزهراني جنوبي لبنان
شهدت مناطق في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، خلال الأيام الماضية، سلسلة هجمات نفذتها خلايا مرتبطة بتنظيم داعش – ولاية وسط إفريقيا، وتركّزت في نطاقي لوبيرو شمال كيفو، وأجزاء من إيتوري.
العمليات استهدفت دوريات وتحركات عسكرية في مناطق ريفية متباعدة، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من العسكريين، إضافة إلى مدنيين، مع تسجيل حوادث حرق منازل في قرى محيطة بمسرح الهجمات.
المعطيات الميدانية المتوافرة لا تشير إلى تغيّر في خريطة السيطرة أو إلى اختراق أمني واسع، لكنها تكشف عن قدرة خلايا صغيرة على تنفيذ ضربات متتابعة في بيئة تعاني أصلًا من ضعف الانتشار الأمني وتعدد الجبهات المسلحة.
ضغط ميداني واستنزاف القوات
العمليات المنفذة خلال الشهر الجاري اتسمت بالتنقل السريع، واختيار أهداف محدودة، والعمل في نطاقات ريفية يصعب ضبطها بشكل دائم.
مصدر أمني إفريقي مطّلع على تطورات شرق الكونغو أوضح لـ"إرم نيوز" أن الخلايا المنفذة تعتمد على معرفة دقيقة بالمسارات المحلية وبأنماط تحرك القوات، وتستفيد من الفجوات بين نقاط الانتشار الرسمية.
وأضاف أن النشاط الحالي يندرج ضمن نمط ضغط متواصل يهدف إلى إبقاء القوات في حالة استنزاف وتشتيت.
هذا التوصيف يعكس واقعًا ميدانيًا مألوفًا في الإقليم، حيث تتحرك جماعات مسلحة متعددة في مساحات متداخلة، وتستغل هشاشة البنية الأمنية في القرى والمناطق البعيدة عن المراكز الحضرية.
تقارير إخبارية أفادت بوقوع هجوم في منطقة ماوسا بإقليم شمال كيفو، أودى بحياة خمسة أشخاص على الأقل، في هجوم يُنسب إلى جماعة القوات الديمقراطية المتحالفة (ADF) المرتبطة بتنظيم داعش.
الهجوم وقع في قرية تقع ضمن أراض يقيم فيها سكان محليون، ويُعتقد أنها تحت تأثير الجماعات المسلحة المتعددة.
في حين أشارت جمعيات حقوقية ومصادر دولية بأن ولاية وسط إفريقيا التابعة للتنظيم أعلنت مسؤوليتها عن مقتل 64 مواطنًا مسيحيًا في شرقي الكونغو خلال فترات متقاربة في كانون الأول الماضي، وهي بيانات انتشرت عبر قنوات التنظيم ومنصات رصد الإرهاب.
ومنذ منتصف العام 2025 فقد شهدت منطقة شرق الكونغو سبعًا من أبرز الهجمات الدموية المنسوبة إلى ADF/داعش، منها حوادث في نتويو بمقاطعة لوبيرو أودت بحياة أكثر من 60 مدنيًا، إضافة إلى هجمات في كوماندا بإقليم إيتوري التي خلّفت عشرات القتلى من المدنيين.
هذه الأحداث تشكّل سياقًا مباشرًا لسلسلة الهجمات المتكررة التي ما زالت تراوح الشرق الكونغولي منذ أشهر.
استثمار الفراغات المؤقتة
بالتوازي مع الهجمات، نشر التنظيم بيانات إعلامية تضمنت أرقامًا إجمالية عن عملياته خلال الأسابيع الماضية.
مصدر غربي متخصص في مجال متابعة الجماعات المتطرفة في إفريقيا اعتبر خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن الخطاب الإعلامي المرافق للهجمات جزء أساسي من العملية، ويهدف إلى فرض حضور دائم في المشهد الأمني، بغض النظر عن حجم الخسائر الميدانية.
التوقيت يحمل دلالة إضافية، وفق المصدر، إذ يأتي في مرحلة تشهد فيها المنطقة ضغطًا أمنيًا متزايدًا على جماعات مسلحة أخرى، ما يفتح هامش حركة محدودًا أمام خلايا متطرفة تعمل بأساليب منخفضة الكلفة.
المعطيات الحالية تشير إلى احتمال استمرار هذا النمط من العمليات خلال الأسابيع المقبلة، في حين لفت المصدر الإفريقي إلى أن المؤشرات الميدانية توحي باستمرار الهجمات الصغيرة والمتفرقة، مع تركيز على مناطق تشهد فراغًا أمنيًا مؤقتًا.
وأضاف "هذا المسار يفرض أعباء إضافية على القوات المحلية، ويحد من قدرتها على تثبيت الاستقرار في المناطق الريفية".
الاستهداف المتكرر لمناطق مأهولة، حتى في نطاق محدود، ينعكس مباشرة على حركة السكان، ويغذي موجات نزوح قصيرة الأمد، ويزيد هشاشة الوضع الإنساني في إقليم يعاني أصلًا من أزمات متراكمة.
أسابيع حاسمة
من زاوية أوسع، يرى المصدر الغربي أن التحركات الأخيرة لا تغيّر ميزان القوى، لكنها ترفع مستوى المخاطر إذا استمر التعامل معها كحوادث معزولة.
ويضيف أن "غياب استجابة منسقة وسريعة يفتح المجال أمام ترسيخ نمط عنف منخفض الوتيرة، يصعب تفكيكه لاحقًا من دون كلفة عالية".
المشهد في شرق الكونغو خلال الفترة الحالية يعكس مرحلة حساسة تتطلب قراءة دقيقة، فالتحركات الجارية تحمل مؤشرات على سعي التنظيم إلى إدامة حالة توتر، من خلال عمليات قابلة للتكرار وسهلة التنفيذ، مع استثمار إعلامي محسوب.
بينما تُجمع المصادر المتابعة على أن الأسابيع المقبلة ستكون اختبارًا لمدى قدرة السلطات الكونغولية وشركائها الإقليميين على احتواء هذا النمط من العنف، عبر تعزيز الانتشار، وتحسين التنسيق، وتقليص المساحات التي تتحرك فيها الخلايا المسلحة.
إدارة الإيقاع الأمني
الباحث فرنسي المختص بشؤون الجماعات الجهادية في إفريقيا، مارك-أنطوان بيروس دو مونكلو، رأى خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن ما تشهده مناطق شرق الكونغو لا يعبّر عن تحوّل في ميزان القوة، وإنما يُعبّر عن انتقال محسوب في أسلوب إدارة العنف.
برأيه، فإن التنظيم يتعامل مع الميدان كمنصة اختبار متدرّج، تُقاس فيها الاستجابات الأمنية والزمن الذي تستغرقه الدولة لاحتواء الصدمة الأولى.
هذا النوع من التحرك، وفق دو مونكلو، يراهن على التراكم البطيء للأثر، ويهدف إلى فرض إيقاع أمني مرهق على السلطات المحلية.
وأشار إلى أن التركيز على الإعلان الإعلامي المواكب للهجمات يعكس توجهًا واعيًا لإعادة إدخال شرق إفريقيا إلى دائرة الاهتمام الجهادي العالمي، من دون الحاجة إلى عمليات كبيرة.
وفي تقديره، فإن التنظيم يسعى إلى تثبيت حضوره في الخطاب أكثر من تثبيته على الأرض، مستفيدًا من واقع أن المتابعة الدولية تلتفت غالبًا إلى الأرقام والبيانات قبل تفكيك السياق.
هذا النمط، كما يقول، يمنح التنظيم هامش حركة سياسيًا وإعلاميًا، حتى في ظل ضغط أمني فعلي.
الفراغات الأمنية العابرة للحدود
المحلل الأمني الكيني، صامويل نديغوا، يعتبر خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن التحركات الأخيرة في شرق الكونغو مرتبطة بالفراغات الأمنية العابرة للحدود، أكثر من ارتباطها بقدرات تنظيمية مستقلة.
ويؤكد أن ما يحدث يعكس خللًا بنيويًا في إدارة الأمن الإقليمي، حيث تتقاطع مسارات الجماعات المسلحة الإرهابية، وتتراجع القدرة على الفصل بين التهديدات المحلية والعابرة للدول.
هذا الواقع، وفق نديغوا، يمنح خلايا متطرفة فرصة التحرك في مناطق لا تخضع لرقابة ثابتة ولا لسيطرة مستدامة.
ويحذر من أن استمرار الهجمات الصغيرة في مناطق ريفية متفرقة يحمل أثرًا سياسيًا مباشرًا، يتمثل في تآكل ثقة المجتمعات المحلية بمؤسسات الدولة، وهو ما ينعكس على الاستقرار الإقليمي الأوسع.
من وجهة نظره، فإن الخطر الحقيقي يكمن في تطبيع هذا المستوى من العنف، بحيث يصبح جزءًا من المشهد اليومي، ما يفتح المجال أمام توسع غير مباشر للتنظيم عبر بيئات ناقمة أو خائفة.
ويردف أن معالجة هذا المسار تتطلب تنسيقًا أمنيًا إقليميًا يتجاوز المقاربات الوطنية الضيقة، ويعيد ضبط الأولويات على أساس حماية المدنيين واستعادة السيطرة الميدانية المستقرة.