كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" أنه في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة وإيران إطلاق جولة ثانية من المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق جديد، تبدو أساليب التفاوض لدى الطرفين وكأنها تتحرك في اتجاهين متعاكسين؛ ما يجعل احتمالات التوصل إلى تسوية مستقرة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
فبينما يعتمد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقاربة تقوم على الضغط السريع وتحقيق نتائج فورية، تُصرّ القيادة الإيرانية على استراتيجية طويلة النفس، تقوم على التدرج، والمراوغة، والتمسك بالتفاصيل، حتى في أكثر مراحل التفاوض حساسية.
وخلال الأسابيع الماضية، حاول ترامب الدفع باتجاه تقديم تصور يوحي بأن طهران قد قدمت تنازلات واسعة، حيث قال إن الإيرانيين "وافقوا على كل شيء"، بل وذهب إلى حد الإشارة إلى أنهم قبلوا بتسليم ما وصفه بـ"غبارهم النووي".
غير أن هذا الخطاب سرعان ما قوبل برد إيراني مباشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث نفت طهران تلك الادعاءات واعتبرتها غير دقيقة.
وفي خلفية هذا التوتر، تتحرك جهود دبلوماسية جديدة؛ إذ من المتوقع أن يتوجه نائب الرئيس جيه دي فانس إلى المنطقة في محاولة لصياغة "إطار عمل" أولي لاتفاق محتمل؛ إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن الطرفين يتجهان نحو اختبار قوة سياسي ودبلوماسي، أكثر من كونه مساراً تفاوضياً تقليدياً.
وقال روبرت مالي، أحد أبرز المفاوضين الأمريكيين السابقين في الملف الإيراني، إن الفجوة بين الجانبين عميقة، موضحاً أن "ترامب مندفع ومتقلب المزاج، بينما القيادة الإيرانية عنيدة ومثابرة".
وأضاف أن "ترامب يطالب بنتائج فورية، في حين تتعامل إيران مع الملفات بمنطق طويل الأمد، يركز على التفاصيل والاستمرارية".
ويعكس هذا التباين الجوهري اختلافاً في فلسفة التفاوض نفسها؛ فبينما يسعى البيت الأبيض إلى إنجاز سريع يحقق مكاسب سياسية داخلية، تتمسك طهران بنهج تدريجي يستند إلى تجارب سابقة ترى فيها أن الاتفاقات الدولية ليست ضمانة دائمة، خاصة بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018.
وتستحضر إيران أيضاً ما تعتبره "سجل فقدان الثقة" في العلاقة مع الولايات المتحدة، مشيرة إلى ضربات عسكرية أمريكية سابقة خلال فترات تفاوضية، وهو ما تعتبره طهران دليلاً على أن المسار الدبلوماسي قد يترافق مع تصعيد عسكري في الوقت ذاته.
وفي ظل هذا المناخ، شهدت المنطقة تصعيداً ميدانياً زاد من تعقيد المشهد، حيث وقعت مواجهات قرب مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.
وأفادت تقارير بأن زوارق إيرانية استهدفت سفن شحن، بينما ردت البحرية الأمريكية على حادثة مرتبطة بسفينة إيرانية خاضعة للعقوبات.
وفي تعليق له، كتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي: "لدينا السيطرة الكاملة على السفينة، ونحن نرى ما يوجد على متنها"، في إشارة إلى تصاعد التوتر البحري بالتزامن مع المسار التفاوضي.
كما صعّد ترامب من لهجته لاحقاً، قائلاً إن هناك "اتفاقاً جيداً مطروحاً على الطاولة"، لكنه حذر من أنه في حال رفضته طهران، فإن الولايات المتحدة "ستدمر كل محطة طاقة وكل جسر في إيران"، مضيفاً: "لا مزيد من اللطف".
هذا التصعيد اللفظي يعكس انتقال الخطاب الأمريكي من الإشادة بإمكانية التفاهم مع القيادة الإيرانية الجديدة إلى التلويح المباشر بالخيار العسكري، في حال فشل المفاوضات.
في المقابل، ترى طهران أن هذه التصريحات تعزز قناعتها بأن واشنطن لا يمكن الوثوق بها كطرف تفاوضي ثابت، خاصة في ظل التجربة السابقة مع الاتفاق النووي لعام 2015، الذي انسحبت منه إدارة ترامب لاحقاً، رغم التوصل إليه بعد مفاوضات استمرت قرابة عامين وشملت عشرات الاجتماعات والنقاشات الفنية المعقدة.
وقد بلغ ذلك الاتفاق أكثر من 160 صفحة، وتضمن ملاحق تقنية تتعلق ببرنامج إيران النووي وآليات التفتيش ورفع العقوبات؛ غير أن كل بند تقريباً كان محل جدل حتى اللحظات الأخيرة، مع استمرار المفاوضات في العودة إلى نقاط خلاف سابقة كلما اقتربت من الحسم.
وتشير تلك التجربة إلى أن الخلاف بين واشنطن وطهران ليس تقنياً فحسب، بل هو اختلاف بنيوي في طريقة إدارة التفاوض نفسه؛ فبينما تعتمد الولايات المتحدة على خبراء وتقارير فنية دقيقة، تركز إيران على الاعتبارات السياسية والسيادية في المقام الأول.
ويرى محللون أن هذا التناقض لا يزال قائماً اليوم، وربما أكثر حدة، في ظل غياب الثقة المتبادلة وتزايد الضغوط الداخلية في كلا البلدين.
وبينما يواصل الطرفان اختبار حدود الضغط السياسي والعسكري، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه الجولة الجديدة ستقود إلى اتفاق فعلي، أم أنها ستعيد إنتاج حلقة جديدة من المفاوضات المتعثرة، التي تتأرجح بين التصعيد والفرص الضائعة.