كشفت مصادر دبلوماسية أمريكية رفيعة المستوى، أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعتزم استخدام الاحتجاجات المعيشية المتصاعدة في إيران كـ"أداة قوة" لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات.
وأكدت المصادر في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن ما يجري في إيران ليس من صنع الولايات المتحدة، بل من نهج عداء النظام وعدم تعاونه مع المجتمع الدولي، في المخاطر التي يهدد بها، مما أدى إلى زيادة حجم العقوبات عليه.
وشددت المصادر على أن الإدارة الأمريكية وضعت شروطاً مسبقة للعودة إلى طاولة التفاوض، تتمثل في إقرار طهران ببرنامج نووي سلمي تماماً مع وقف التخصيب، والكشف الشامل عن المنظومة الصاروخية لتجميدها، إضافة إلى إنهاء دعم الأذرع الإقليمية في العراق واليمن ولبنان. وأوضحت أن القبول بهذه الركائز هو الممر الوحيد لعقد اجتماعات رسمية تهدف للتوصل إلى اتفاق شامل ينهي الأزمة.
وتستمر الاحتجاجات الشاملة ضد ارتفاع سعر الدولار والتضخم في إيران، حيث تشهد مدن طهران، وهمدان، ومشهد، وأصفهان، وزنجان، وملارد، تجمعات للتجار وطلاب الجامعات، مرددين شعارات مثل "الطالب يموت ولا يقبل الذل"، مؤكدين على تضامن الجامعات مع المجتمع.
وبالتزامن مع ذلك، خرج الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ليؤكد أن بلاده تواجه ضغوطاً خارجية متواصلة من قبل أعداء البلاد، مشيراً إلى أن الوضع الراهن يتطلب يقظة وجهوداً متضافرة لمواجهة التحديات، لافتا إلى أن تولي المسؤولية في الظروف الحالية يعد أمراً صعباً ومعقداً للغاية، نظراً لتداخل الضغوط الخارجية والداخلية، مشيراً إلى أن مواجهة هذه الضغوط تتطلب إجراءات معقدة.
ويقول دبلوماسي أمريكي رفيع المستوى، إن ترامب مقتنع برهانه حول المضي بقوة في مسار العقوبات على إيران وإحكامها ضمن سياسية "الضغوط القصوى"، خاصة أن ما يجري في الداخل يثبت أن النظام في طهران يعاند الجميع، سواء شعبه أو المجتمع الدولي.
وكشف المصدر لـ"إرم نيوز"، أن الرئيس ترامب يرى في زخم الشارع الإيراني خلال اليومين الماضيين وسيلة ضغط على النظام تفوق في تأثيرها أي خيار عسكري محتمل.
وبحسب المصدر، فإن قناعة ترامب تنبع من كون هذه الاحتجاجات مدفوعة بأزمة معيشية خانقة وانهيار تاريخي للعملة ناتج عن العقوبات، مما يجعل الضغط الاقتصادي النابع من الداخل أكثر فاعلية من الدخول في حرب مفتوحة في التوقيت الراهن.
وأوضح الدبلوماسي الأمريكي، أن ترامب لن يدخل في مفاوضات حقيقية إلا من خلال موافقة طهران على الإقرار بذهاب إلى برنامج نووي لأغراض سلمية بقبول وقف تخصيب اليورانيوم وذلك بمراقبة من الوكالة الدولية وحضور أمريكي في فريقها، وكشف حجم الإمكانيات الصاروخية وخريطتها لوضع عملية تجميد لها، ووقف دعمها للأذرع الخاصة بها في لبنان واليمن.
وأردف المصدر أنه عند قبول التفاوض من طهران حول هذه النقاط سيكون المضي في اجتماعات حول اتفاق شامل.
فيما أكد قيادي في الحزب الجمهوري، أن الاحتجاجات الراهنة في إيران، هي نتاج مباشر لسياسات النظام المتشددة ورفضه التعاون مع المجتمع الدولي بشأن برنامجه النووي.
وأوضح القيادي لـ"إرم نيوز" أن إدارة ترامب تنظر إلى هؤلاء المحتجين بوصفهم "أداة قوة" استراتيجية تولدت بفعل أخطاء طهران الذاتية، وليست من تدبير واشنطن.
وشدد على أن تأييد ترامب للحراك الشعبي يهدف للضغط على القيادة الإيرانية لتقديم نوايا حقيقية نحو اتفاق جديد وشامل، مؤكدًا أن واشنطن لن تتنازل عن محاور التفاوض الأساسية التي وضعها الرئيس الجمهوري.
بدوره، يرى الباحث الاستراتيجي هشام معتضد، أن تعامل ترامب مع احتجاجات إيران يرتكز على منطق "الضغط المركّب" وليس تغيير النظام؛ إذ يتعمد الفصل بين انتقاد سلوك طهران وبين السعي لإسقاطها.
وأوضح معتضد لـ"إرم نيوز" أن هذا التكتيك يهدف لفرض اتفاق بشروط أمريكية في لحظة "الضعف الداخلي"، حيث يكون النظام المنهك اقتصادياً أكثر مرونة في التفاوض، بينما قد يدفع الحصار الوجودي السلطة نحو التصعيد العسكري.
واعتبر معتضد أن ترامب يستثمر الاحتجاجات كرافعة نفسية لإرسال رسالة مزدوجة: طمأنة الشارع الإيراني وتذكير القيادة بتآكل شرعيتها. ويعكس هذا الأسلوب مدرسة "الضغط دون تورط"، حيث تُستخدم الأزمة الداخلية كعنصر تفاوضي غير مُعلن، مما يضمن لواشنطن تحقيق مكاسب سياسية دون تحمل كلفة الدعم المباشر أو الانزلاق نحو فوضى غير مضمونة العواقب.
ويرى معتضد أن واشنطن لا تبدو معنية فقط بالملف النووي بمعناه التقليدي، بل بتوسيعه ليشمل القدرات الصاروخية والسلوك الإقليمي، حيث إن الإشارة المتكررة إلى برنامج الصواريخ، يوحي بأن أي اتفاق محتمل لن يكون عودة إلى صيغة 2015، بل اتفاقًا أوسع وأقسى، يُقدَّم للنظام الإيراني باعتباره "مخرجًا مشرّفًا" من أزمة داخلية متصاعدة، مقابل تخفيف مدروس للضغط الاقتصادي.
وأردف معتضد، أن ترامب يدرك أن الاحتجاجات غير المنضبطة قد تقوّي التيار الأكثر تشددًا في طهران، لذلك يتجنب خطاب إسقاط النظام، لأنه يعلم أن "الحرس الثوري" يتغذى سياسيًا من سردية "المؤامرة الخارجية"، ومن هنا، فإن الهدف من تركيزه على الاقتصاد، والتضخم، والانهيار المعيشي، هو إعادة تعريف التهديد تجاه إيران، بأنه لم يعد أمريكيًا أو إسرائيليًا، بل داخليًا وبنيويًا.
ويعتقد معتضد أن ترامب لا يستغل الاحتجاجات الإيرانية بمعناها المباشر، بل يحوّلها إلى خلفية ضغط صامت تُستخدم لتليين الموقف الإيراني ودفعه نحو اتفاق بشروط أمريكية موسّعة، وهي سياسة تقوم على انتظار اللحظة التي يصبح فيها التفاوض أقل كلفة على طهران من الاستمرار في الصمود، دون أن تضطر واشنطن إلى إطلاق رصاصة واحدة، ليتضح هنا جوهر البراغماتية الترامبية: "السلام بالقوة ولكن دون حرب".
وتابع بالقول، إن إسرائيل وخصوصًا نتنياهو، تسعى إلى استثمار هذه اللحظة بطريقة مختلفة، أقرب إلى منطق الكسر العسكري بدل الاحتواء التفاوضي، غير أن الفجوة هنا واضحة في أن ترامب يرى نفسه "صانع صفقة كبرى"، لا رئيس حرب، ويفضّل اتفاقًا يُنهي الملف النووي والصاروخي ويُسوّق داخليًا كإنجاز تاريخي، على مغامرة عسكرية قد توحّد الإيرانيين خلف نظامهم وتُعيد خلط الأوراق إقليميًا.