يرى خبراء في الشأن الأمريكي أن بوصلة الرئيس دونالد ترامب في مرحلة ما بعد المواجهة مع طهران، ستتجه نحو مسارين متوازيين؛ الأول حرب اقتصادية شرسة تستهدف تقويض المكاسب التي حققتها روسيا والصين في أسواق الطاقة العالمية، والثاني تصعيد عسكري محتمل قد يضع كوبا في دائرة الاستهداف المباشر، لإعادة ترتيب نفوذ واشنطن في محيطها الإقليمي.
وأوضحوا في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن أسهم ذهاب ترامب لحرب على كوبا ترتفع لعدة اعتبارات في صدارتها أنه يريد تحقيق مشهد الانتصار السريع الذي يفتخر به، الأمر الذي تعتبر هافانا مؤهلة له، لاسيما بعد خسارة الحليف الداعم لها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
وقال ترامب مؤخرا، إن اليوم الذي كان منتظرا منذ 70 عاما سيأتي قريبا وسيطلق عليه اسم "فجر كوبا الجديد"، في إشارة إلى نيته القادمة للقيام بعمل ما ضد هافانا واستهداف نظام ميغيل دياز كانيل.
وتعتبر كوبا بمثابة "الجزيرة العصية" التي طالما أحرجت الولايات المتحدة منذ غزو خليج الخنازير عام 1961، وأزمة الصواريخ في العام التالي، في وقت تشجع دوائر حول ترامب على القيام بعملية عسكرية ضدها، لاسيما وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ذو الأصول الكوبية.
ويؤكد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة نورث كارولينا، البروفيسور خضر زعرور، أن ترامب يعشق وضع الانتصارات السريعة في سيرته الذاتية، لذلك سيختار فنزويلا كوجهة قادمة، لجني ثمار العملية العسكرية التي أطاحت بنيكولاس مادورو يناير/ كانون الثاني الماضي.
وأضاف زعرور لـ"إرم نيوز"، أن البوصلة قد تتجه بشكل كبير إلى كوبا لعدة اعتبارات من بينها أن ماركو روبيو من أصل كوبي وضد النظام وبالطبع هناك خلفية تاريخية يريد أن يمحوها ترامب التي كان لها ذاكرة تحد للولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي.
واعتبر أن ترامب يرى أن كوبا مؤهلة لتحقيق انتصار يفتخر به قبل انتخابات الكونغرس ويجعله يظهر في مشهد الرجل الذي كسر هافانا، في ظل ما تعانيه من وضع اقتصادي وانعزال عن العالم وزادت الصعوبات عليها بعد أن فقدت حليفها مادورو الذي كان يرسل لها، احتياجاتها النفطية كافة.
وأوضح زعرور أن العزلة اشتدت على كوبا بعد خسارتها لحليفها مادورو، في وقت يعاني فيه الشعب من فقر مدقع وتصاعد في وتيرة المعارضة للنظام. وأشار إلى الدور المحوري للجالية الكوبية في فلوريدا، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع ترامب، وتعود جذورها إلى المهاجرين الفارين من تبعات ثورة عام 1959 في عهد فيدل كاسترو.
وأردف أن كوبا ستكون لها آثار مهمة في تحقيق الانتصار السريع الذي يفضّله ترامب خاصة أنها في حالة صعبة يرثى لها ولن تكرر ما حدث مع الولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي، عندما أصبحت رمزا عالميا استطاع أن يواجهها بقوة.
ويستبعد زعرور ذهاب ترامب لعمل عسكري في غرينلاند في ظل رفض الأوروبيين وكندا ذلك، ولكن من الممكن ممارسة الضغوط التي قام بها على الجزيرة، قبل الحرب على إيران، حيث إن للولايات المتحدة حضورا على المستويات العسكرية والاقتصادية هناك.
وبدوره، يقول الخبير في الشأن الأمريكي، نعمان أبو عيسى، إن بوصلة الحرب القادمة لترامب، ستكون عسكرية فيما يتعلق بكوبا والأوضاع في فنزويلا، وأيضا اقتصادية بشكل كبير يتعلق بالسيطرة على حركة الطاقة في العالم، ولكن ذلك يتطلب انتهاء أزمة مضيق هرمز وتأمين حركة الملاحة.
وأوضح أبو عيسى لـ"إرم نيوز"، أن الحرب الاقتصادية لترامب ستنطلق من العمل على فرض حصار على الدول التي دعمت طهران في المواجهة الأخيرة بشكل غير مباشر، بالتحديد روسيا والصين اللتان حققتا استفادة كبيرة من العملية العسكرية الأمريكية على إيران.
وفسر ذلك باحتمالية أن يكون هناك تحول أمريكي بعد هذه الحرب إلى الشرق أي الصين، لتحجيم وتحديد توسع بكين من جهة، والذهاب إلى تغيير مواضع ومكاسب روسيا من إدارة الطاقة العالمية في الفترة الأخيرة.
ولن تكون هذه النوعية من المواجهات بحسب أبو عيسى مباشرة ولكنها ستأخذ أشكالا من الضغط على دول أخرى مرتبطة بالصين وروسيا أو حققت من خلالها الدولتان مكاسب خلال فترة الحرب على إيران، حتى تعود الولايات المتحدة للسيطرة على الطاقة وليس مصادرها فقط.
ويرى أبو عيسى أن رغبة واشنطن في إحكام قبضتها على ملف الطاقة تأتي للرد على المكاسب التي حققتها بكين وموسكو مؤخراً؛ حيث ستتركز الاستراتيجية الأمريكية القادمة على التحكم في طرق إمدادات الطاقة وخطوط وصولها إلى القوى المستهلكة، وفي مقدمتها الصين ودول آسيا وبلدان الاتحاد الأوروبي.
ويرجح تحول الحرب الأمريكية القادمة من عسكرية إلى اقتصادية، بواسطة التعريفة الجمركية أو الحصار كما حدث مع بعض الدول، لتستعرض الولايات المتحدة من خلال ذلك عضلاتها، لتستعيد جانبا كبيرا من نفوذها العالمي بشكل غير مسلح.
ويتوقع أبو عيسى أن تتحول كوبا إلى ساحة صراع عسكري قادم لواشنطن، في حال قرر ترامب المضي قدماً في خطة تغيير النظام هناك. ويرى أن هذا التوجه سيتزامن مع مساعٍ لفرض تغيير جذري وشامل للحكم في كراكاس، إذا ما أخفقت الحكومة الفنزويلية المؤقتة في تلبية المطالب والاشتراطات الأمريكية.