رأى خبراء ومحللون أن الجدل المتصاعد داخل إيران بشأن إنهاء الحرب لا يمكن فصله عن بنية النظام نفسها، التي قامت منذ الثورة الإيرانية 1979 على ازدواجية واضحة بين "الدولة" و"الثورة"، وهو ما يعيد اليوم إنتاج صراع قديم بأدوات جديدة في ظل الحرب الجارية.
ويأتي ذلك بعد تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان التي تحدث فيها عن إمكانية إنهاء الحرب، ما فجر ردود فعل حادة داخل التيار المحافظ.
وكتب رجل الدين مرتضى روحاني في منشور عبر (إكس): "ليتكم تتركون الدبلوماسية للقادة العسكريين... هذا الحجم من التخريب ليس نتيجة الجهل فقط، وعلى الأجهزة الأمنية أن تكون يقظة".
بدوره، قال النائب المتشدد حميد رسائي إن "بعض مواقف الرئيس تشبه عود ثقاب يشعل غابة"، وفق تعبيره، مضيفاً أن "لا أحد يجب أن يتحدث عن التفاوض، فالحرب جُربت ورددنا عليها، ولن يتمكن الليبراليون من استغلال خوف الناس بعد الآن".
وهذا الانقسام يعيد إلى الواجهة الصراع التقليدي بين التيار الإصلاحي والمحافظ، وهو صراع برز بوضوح منذ حقبة محمد خاتمي في أواخر التسعينيات، حين حاول التيار الإصلاحي الدفع باتجاه "إيران الدولة" القائمة على الانفتاح الداخلي، مقابل تمسك المحافظين بفكرة "إيران الثورة" التي تضع البعد الإقليمي والأيديولوجي في صدارة الأولويات.
معادلة مزدوجة
وفي هذا السياق، قال الخبير في الشؤون الإقليمية أحمد الياسري إن "النظام الإيراني بُني على معادلة مزدوجة منذ البداية، لكن الحرب الحالية كشفت اختلال هذا التوازن لصالح التيار المرتبط بالمؤسسة العسكرية".
وأضاف الياسري لـ"إرم نيوز" أن "التيار الإصلاحي تاريخياً اعتمد على الشارع والانتخابات، بينما اعتمد المحافظون على المؤسسات الصلبة مثل الحرس الثوري، ومع تصاعد الأزمات تميل الكفة دائماً نحو هذه المؤسسات".
وأشار إلى أن "أي قرار يتعلق بإنهاء الحرب أو الاستمرار فيها لم يعد قراراً حكومياً صرفاً، بل يمر عبر الحرس الثوري الذي يمتلك أدوات التنفيذ، ما يجعل موقع الرئاسة أقرب إلى إدارة سياسية للخطاب، وليس مركزاً فعلياً لصناعة القرار".
ويُظهر مسار الأحداث منذ انتخابات 2009، التي أعقبتها احتجاجات واسعة، كيف عزّزت القيادة الإيرانية من دور الحرس الثوري الإيراني في ضبط الداخل، قبل أن يتحول تدريجياً إلى لاعب سياسي واقتصادي مؤثر، يمتلك نفوذاً يتجاوز المؤسسات المنتخبة.
وفي هذا الإطار، كتب معاون الاتصال في مكتب الرئاسة سيد مهدي طباطبائي أن "تشويه صورة الرئيس في خضم الحرب أمر مريب"، متسائلاً عن سبب منع بزشكيان من التعبير عن رأيه، فيما ذهب نجله يوسف بزشكيان إلى طرح سؤال مباشر: "هل من المفترض أن تستمر هذه الحرب إلى ما لا نهاية؟".
غير أن هذا الدفاع العلني يؤشر – وفق مراقبين - إلى انتقال الخلاف من داخل مؤسسات القرار إلى المجال العام، في سابقة تشير إلى تراجع قدرة النظام على احتواء التباينات داخلياً، كما كان يحدث في مراحل سابقة.
مرحلة ما بعد خامنئي
بدوره، يرى الباحث في الشؤون السياسية عماد محمد أن "التحول الجاري داخل إيران لا يتعلق بخلاف على إدارة الحرب، بل بإعادة توزيع السلطة داخل النظام نفسه، حيث يجري نقل مركز القرار تدريجياً من المؤسسات الرسمية إلى البنية الأمنية المرتبطة بالحرس الثوري".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "الحرس الثوري لا يدير المعركة فقط، بل يعيد صياغة قواعد الحكم مستفيداً من ظرف الحرب، عبر فرض أولوياته على الحكومة، والتحكم بإيقاع القرارين العسكري والسياسي، بما يجعل أي مسار تفاوضي أو تهدئة خاضعاً لاعتبارات ميدانية وأمنية أكثر من كونه قراراً سيادياً تقليدياً".
وأوضح أن "مقتل علي خامنئي شكل نقطة تحول حاسمة داخل بنية النظام، إذ اتجه الحرس الثوري إلى تشديد قبضته بشكل غير مسبوق، تحسباً لأي محاولة من التيار الإصلاحي لملء الفراغ السياسي".
وبحسب تقديرات، فإن الحرب الحالية لم تخلق هذا الصراع بقدر ما كشفت عمقه، إذ تحول قرار إنهائها إلى معركة داخلية بحد ذاته، بين حكومة تسعى لتخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ومؤسسة عسكرية ترى في استمرار المواجهة وسيلة لإعادة تشكيل التوازنات في المنطقة.