تستغل روسيا ثغرات القانون البحري الدولي لتحويل "أسطول الظل" من أداة للالتفاف على العقوبات الغربية إلى وسيلة ضغط أمني واستخباراتي ضد أوروبا.
ومن خلال شبكة سرّية تضم المئات من ناقلات النفط المدنية تعمل خارج الأطر الرقابية التقليدية، باتت موسكو قادرة على تنفيذ أنشطة تجسس وتهديد بنى تحتية حيوية تحت غطاء حرية الملاحة، بينما يواجه الغرب معادلة صعبة بين حماية أمنه البحري والحفاظ على النظام القانوني الذي يحكم حركة السفن العالمية.
وبحسب تقارير غربية فإن "أسطول الظل" الروسي نشأ بعد فرض العقوبات الغربية على صادرات الطاقة الروسية عام 2022، كشبكة غير رسمية تضم ما بين 1400-1800 ناقلة نفط.
ويمثّل هذا الأسطول نحو 20% من تجارة النفط العالمية، ويدرّ على موسكو مئات الملايين من الدولارات سنوياً، ما جعله ركيزة أساسية في تمويل الاقتصاد الروسي في ظل العقوبات.
وتكشف مصادر مطلعة أن هذا الأسطول يعتمد على آليات تشغيل معقدة تهدف إلى الإفلات من الرقابة؛ إذ تعمد السفن إلى تغيير أعلامها وأسماءها بشكل متكرر، كما أنها تتلاعب أو توقف أنظمة التتبع الآلي، بحسب ما أوردته "تليغراف" البريطانية.
وتُنقل شحنات النفط من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، كما تُستخدم شركات وهمية ومستندات مزوّرة، وتبحر في كثير من الأحيان من دون تأمين غربي، ما يصعّب ملاحقتها قانونياً ويحد من قدرة الدول على تحميلها المسؤولية عند وقوع حوادث أو انتهاكات.
ووفق مصادر، فإن معظم هذه الناقلات تنطلق من موانئ في بحر البلطيق والبحر الأسود، وتتجه إلى دول لا تفرض عقوبات على روسيا، وفي مقدمتها الصين والهند.
ويوفّر هذا المسار التجاري لموسكو منفذاً مستمراً لتصريف نفطها، لكنه في الوقت نفسه خلق شبكة بحرية واسعة تتحرك في مناطق حساسة أمنيًا قرب السواحل الأوروبية.
ويحذر خبراء من أن البعد الأخطر في نشاط "أسطول الظل" الروسي لا يرتبط بالتهرب الاقتصادي فحسب، بل بالشق الأمني، إذ تحدثت تقارير أوروبية عن وجود عناصر روسية ذات خلفيات عسكرية على متن بعض السفن، إضافة إلى شبهات تتعلق بعمليات تجسس وتصوير منشآت عسكرية وبنى تحتية أوروبية حساسة، وهذه الأنشطة تتم تحت غطاء سفن مدنية؛ ما يمنح موسكو مساحة إنكار واسعة ويعقّد أي رد قانوني أو عسكري مباشر.
وقضية ناقلة النفط "إيغل إس" أبرزت هذا الواقع، فالسفينة، المرتبطة بـ"أسطول الظل"، تسببت في أضرار جسيمة لكابلات طاقة وبيانات في خليج فنلندا، لكن إسقاط التهم عن طاقمها لم يكن بسبب غياب الشبهات، بل بسبب ثغرات الاختصاص القضائي في المناطق الاقتصادية الخالصة، وهذا الحكم أثار قلقًا واسعًا في أوروبا، لأنه كشف محدودية أدوات الرد المتاحة بموجب القانون البحري الدولي الحالي.
وفي مواجهة هذا التحدي، ركّز الغرب على العقوبات كأداة رئيسية؛ فالاتحاد الأوروبي أدرج نحو 600 سفينة مرتبطة بأسطول الظل على قوائم العقوبات، وأضاف 41 سفينة جديدة في ديسمبر 2025، كما فرضت بريطانيا عقوبات على 24 كيانًا وفردًا، بينما تدرس الولايات المتحدة حزمة عقوبات جديدة تستهدف شبكات "أسطول الظل"، في محاولة لتضييق الخناق على عملياته الاقتصادية واللوجستية.
لكن هذه الإجراءات، رغم اتساعها، لا تعالج جوهر المشكلة القانونية، فحرية الملاحة، التي تشكل أساس النظام البحري العالمي، تُستخدم اليوم كدرع لأنشطة رمادية يصعب ضبطها أو ردعها.