في ظل تصاعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية على أهداف داخل إيران، يبرز نمط ميداني متكرر لا يقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل يمتد إلى كيفية إدارة النظام الإيراني لبيئته الداخلية.
خلال الأيام الأخيرة، ظهرت مؤشرات متزايدة على اعتماد طهران استراتيجية تقوم على دمج المدنيين ضمن المجال العملياتي، سواء عبر التعبئة في الشارع أو عبر الإبقاء على النشاط المدني في محيط منشآت حساسة؛ ما يطرح تساؤلات جدية حول استخدام المدنيين كعامل حماية غير مباشر.
تعبئة الشارع كطبقة حماية
بالتوازي مع الضربات، كثّف الحرس الثوري من دعوات النزول إلى الشارع تحت عناوين "الدفاع عن الوطن" و"مواجهة العدوان"، وهو ما ترجمته مشاهد حشود في عدة مدن.
وتتحدث تقارير لصحيفة "الغارديان" عن مئات الفعاليات المؤيدة خلال فترة قصيرة، في وقت تؤكد فيه "رويترز" تنفيذ حملات اعتقال متزامنة بحق معارضين ومشتبه بهم بالتعاون مع "جهات خارجية".
هذا التوازي بين التحشيد الشعبي والتشدد الأمني يعكس معادلة واضحة، تقوم على ملء الشارع بالمؤيدين مقابل إفراغه من المعارضين، لكن في العمق، يتجاوز الأمر البعد السياسي؛ إذ أن وجود تجمعات بشرية كثيفة في بيئة مهددة بالقصف يخلق واقعاً جديداً، تصبح فيه أي ضربة عسكرية محتملة أكثر حساسية من الناحية الإنسانية.
دعوات قرب مواقع حساسة
في هذا السياق، نقلت "إيران إنترناشيونال" عن جهات حقوقية ومعارضة أن السلطات شجّعت المواطنين على التواجد بالقرب من مواقع أمنية وعسكرية خلال فترات التوتر، معتبرة أن هذا السلوك "يعرّض المدنيين للخطر ويجعلهم فعلياً دروعاً بشرية".
كما تحدثت تقارير عن نقل نقاط أمنية إلى مناطق مكتظة، وتركُّز النشاط الأمني في شوارع مزدحمة، في نمط يوحي برفع الكلفة البشرية لأي استهداف محتمل، ورغم غياب تأكيدات مستقلة قاطعة، فإن تكرار هذه الروايات، بالتوازي مع المشاهد الميدانية، يعزز فرضية أن المجال المدني يُستخدم كجزء من معادلة الردع.
جزيرة خرج.. رفع كلفة الهجوم
يظهر هذا النمط بشكل أوضح في جزيرة خرج، التي تُعد الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية؛ فالجزيرة لا تضم منشآت طاقة فحسب، بل أيضاً بنية سكنية وعمالية، ما يجعلها منطقة مختلطة يصعب استهدافها دون مخاطر كبيرة.
وتشير التقارير إلى أن الضربات الأخيرة استهدفت مواقع عسكرية في الجزيرة، لكنها تجنبت منشآت نفطية أساسية، وهذا الحذر يُفسَّر جزئياً بطبيعة المكان؛ إذ يؤدي التداخل بين المدني والعسكري إلى رفع كلفة أي هجوم، سواء سياسياً أو إنسانياً.
ويتكرر المشهد بشكل مختلف في مضيق هرمز؛ إذ تعتمد إيران على انتشار عسكري ضمن بيئة مدنية وتجارية، تشمل موانئ وسفن نقل ومناطق ساحلية مأهولة، هذا التداخل لا يمنع الضربات فحسب، بل يجعلها أكثر تعقيداً، خصوصاً في ممر مائي حيوي يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية.
تكتيك "الدرع غير المعلن"
في قراءته لمشهد حشد "المؤيدين"، يرى الباحث السياسي مازن بلال أن ما يجري داخل إيران لا يمكن فصله عن سياق الحرب، موضحاً أن "النظام لا يعتمد فقط على القوة الأمنية، بل يعمل على إنتاج مشهد تعبوي متكامل يهدف إلى إظهار تماسك داخلي حتى في ظل الضغوط".
ويضيف في تعليق لـ "إرم نيوز" أن هذه التعبئة "ليست دليلاً على قوة النظام بقدر ما هي أداة لإدارة الأزمة"، مشيراً إلى أن "السلطة تدرك أن أخطر ما يمكن أن تواجهه في هذه المرحلة هو فتح جبهة داخلية، ولذلك تسعى إلى السيطرة على الشارع قبل أن يتحرك ضدها".
في المقابل، يرى الباحث في الشأن الإيراني محمد صالح الفتيح أن "النظام الإيراني يحاول رفع كلفة الضربات عبر دمج المنشآت العسكرية ضمن محيط مدني، إلى جانب تعبئة الشارع، ما يجعل أي استهداف محفوفاً بتداعيات إنسانية وإعلامية كبيرة".
ويضيف: "ما تقوم به طهران، يقترب من مفهوم الدروع البشرية غير المباشرة، حيث لا يتم وضع المدنيين أمام الأهداف بشكل قسري، بل يتم إبقاؤهم داخل نطاقها من خلال التعبئة أو عبر طبيعة توزيع المنشآت"، مشيرا إلى أن "هذا الأسلوب يهدف إلى تقييد خيارات الخصم عسكرياً وإعلامياً، لأنه يرفع كلفة أي ضربة ويحوّلها إلى حدث إنساني حساس".
بين الردع والمخاطرة
لا توجد أدلة قاطعة على استخدام مباشر ومنهجي للمدنيين كدروع بشرية وفق التعريف القانوني الصارم، لكن ما يظهر على الأرض يشير إلى نمط مختلف، يمكن وصفه بـ"الدرع البشري غير المعلن"، وفي هذا النموذج، لا يتم إجبار المدنيين على الوقوف أمام الأهداف، بل يتم إبقاؤهم ضمن نطاقها، سواء عبر التعبئة أو عبر طبيعة توزيع المنشآت.
ويبدو أن النظام الإيراني لا يفصل بين الجبهة العسكرية والفضاء المدني، بل يدمجهما ضمن استراتيجية واحدة، هدفها الأساسي رفع كلفة الحرب على خصومه، بأي ثمن.