في ظل تصاعد سباق التسلح بين واشنطن وموسكو، أعادت الولايا المتحدة إطلاق مشروع "القبة الذهبية" للدفاع الصاروخي إلى واجهة الاهتمام الدولي، لكن اللافت هذه المرة أن الكرملين بات يضع هذا المشروع تحت مقاس ومراقبة دقيقة، في مؤشر واضح على أن موسكو أصبحت تنظر إلى المشروع كخطوة قد تغير معادلات الردع الإستراتيجي بين القوتين العظميين.
القبة الذهبية، التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مايو 2025، ليست مجرد منظومة دفاعية تقليدية، بل مشروع طموح يهدف إلى حماية الولايات المتحدة من الصواريخ البالستية والفرط صوتية عبر منظومة متكاملة من قدرات أرضية وفضائية، تشمل إطلاق صواريخ اعتراض من المدار.
ورغم أن المشروع يُطرح ضمن حماية الأمن القومي الأمريكي، فإن موسكو ترى فيه إشكالية جوهرية تتجاوز مجرد الحدود الجغرافية؛ لأن أي منظومة دفاعية بهذا المستوى قد تعيد تشكيل ميزان الردع الذي اعتمد عليه الاستقرار الدولي لعقود.
وأكد المتحدث الرسمي دميتري بيسكوف أن الجيش الروسي يراقب خطط الولايات المتحدة المتعلقة بالقبة الذهبية ويحلل أبعادها وتأثيراتها في التوازن العسكري العالمي.
وسأل بيسكوف بصراحة، من أيِّ نوع ستكون هذه القبة؟ وما حجم التهديدات التي يمكن أن تشكلها؟، قبل أن يؤكد أن موسكو تحتفظ بحقها في اتخاذ إجراءات لضمان أمنها القومي.
ويرى الخبراء أن مشروع "القبة الذهبية" الأمريكية يخضع لمراقبة دقيقة من جانب روسيا، ليس بوصفه منظومة دفاعية تقنية فحسب، بل باعتباره تحولًا قد يُعيد تشكيل ميزان الردع الإستراتيجي، ويحد من فاعلية القدرات الصاروخية الروسية ويقلص هامش المناورة في أيِّ مواجهة محتملة.
وأكد المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية، برنت سادلر، أن مشروع "القبة الذهبية" بات محل متابعة دقيقة من جانب روسيا، ليس فقط من زاوية قدراته التقنية، وإنما لِما يحمله من دلالات أوسع تتعلق بإعادة ضبط ميزان الردع الإستراتيجي.
وأشار في تصريحات لـ"إرم نيوز" إلى أن موسكو تنظر بقلق إلى أي منظومة دفاعية قد تحد من فاعلية ترسانتها الصاروخية أو تقلّص هامش المناورة لديها في حال اندلاع مواجهة مستقبلية.
وأضاف سادلر، أن هذا القلق لا يعني بالضرورة تجاه روسيا للتصعيد، معتبرًا أن اعتراض ناقلات النفط عديمة الجنسية لن يقود إلى تصعيد واسع، في ظل غياب أدوات قانونية أو عسكرية فعالة لدى موسكو للرد.
وأضاف المسؤول السابق في البنتاغون، أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة، سواء الناتجة عن الالتفاف على العقوبات أو عن حماية خطوط الإمداد، قد تشكل عامل ضغط كافٍ يدفع الكرملين إلى مراجعة مسار الحرب أو تقليص نطاقها.
وقال، إن خطورة "القبة الذهبية" من المنظور الروسي لا تكمن فقط في قدرتها الدفاعية المباشرة، بل في احتمال تحولها لاحقًا إلى منصة تكامل مع منظومات إنذار مبكر وقدرات هجومية غير معلنة، وهو سيناريو ترى فيه موسكو محاولة أمريكية لتحييد الردع النووي الروسي تدريجيًّا؛ ما يفرض عليها إعادة حسابات الانتشار العسكري والاستثمار في وسائل اختراق أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة.
من جانبه، رأى المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، الدكتور محمود الأفندي، أن الجدل المثار حول "القبة الذهبية" الأمريكية يتجاوز حجمه الحقيقي، ويقع في إطار تضخيم إعلامي يسعى إلى خلق توتر مصطنع بين موسكو وواشنطن.
وأكد في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن سعي الولايات المتحدة إلى تطوير منظومة دفاعية لحماية أمنها القومي هو سلوك طبيعي لدولة عظمى، ويندرج ضمن تقاليد راسخة منذ الحرب الباردة.
وأكد الأفندي أن روسيا لا تعتبر إنشاء منظومة دفاعية داخل الأراضي الأمريكية تهديدًا مباشرًا، مشددًا على أن العقيدة الروسية تقوم على احترام الشؤون السيادية المتعلقة بالأمن القومي للدول الأخرى، طالما لم يتم نشر هذه المنظومات خارج حدودها الجغرافية.
وأضاف الخبير في الشؤون الروسية، أن موسكو، في المقابل، تواصل تطوير أسلحة متقدمة قادرة على تجاوز أي منظومات دفاعية قائمة، في إطار سباق تسلح مستمر بين القوى الكبرى.
وأوضح الأفندي أن التركيز الروسي ينصب حاليًّا على منع كسر قواعد الاشتباك غير المكتوبة بين موسكو وواشنطن، معتبرًا أن تحويل "القبة الذهبية" إلى أداة ضغط سياسي أو ورقة تفاوضية في ملفات أخرى، مثل أوكرانيا أو التوسع في أوروبا الشرقية، سيكون عامل توتر حقيقي، وليس مجرد وجود منظومة دفاعية داخل الأراضي الأمريكية.