logo
العالم
خاص

بين "ستارت 3" والقبة الذهبية.. هل ينهار التوازن النووي بين واشنطن وموسكو؟

فلاديمير بوتين ودونالد ترامبالمصدر: غيتي إيمجز

تدخل العلاقات الأمريكية الروسية واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ نهاية الحرب الباردة، في توقيت يتقاطع فيه انتهاء الإطار القانوني الناظم للأسلحة الاستراتيجية مع شروع واشنطن في تنفيذ مشروع دفاعي واسع النطاق.

ولا يحمل هذا التوقيت طابع المصادفة، وفق ما يؤكده دبلوماسي روسي، بل يعكس انتقال الملف النووي من مرحلة الإدارة التعاقدية إلى مرحلة الحسابات السياسية الصلبة، حيث يبدو أن القرارات ستكون على أساس القدرات القائمة وخطط التطوير.

أخبار ذات علاقة

بوتين كان على شفا النووي

استنفار من لندن إلى واشنطن.. بوتين كاد يضغط على الزر النووي (فيديو إرم)

ويشير الدبلوماسي الروسي في حديثه لـ"إرم نيوز" إلى أن معاهدة "ستارت 3" شكّلت خلال السنوات الماضية مظلة تنظيمية سمحت بإبقاء قنوات التواصل التقني مفتوحة حتى في ذروة التوتر السياسي. حيث كانت آليات التحقق، وتبادل البيانات، والإخطارات المسبقة بمثابة أدوات عمل داخل المؤسسات العسكرية والدبلوماسية.

ما يعني أن انتهاء هذه المظلة سيؤدي عمليًا إلى غياب مرجعية مشتركة لضبط سقوف الانتشار النووي، ويفتح المجال أمام قرارات أحادية تستند إلى تقديرات داخلية غير قابلة للاختبار المتبادل.

فرض حسابات جديدة

ويتحوّل الخامس من شباط/ فبراير المقبل، موعد انتهاء العمل بمعاهدة "نيو ستارت"، إلى نقطة ارتكاز في الحسابات الاستراتيجية للطرفين، حيث تشير تقديرات دبلوماسية روسية إلى أن هذا الموعد بات حاضرًا في جداول التخطيط العسكري، ويجري التعامل معه كعامل مؤثر في قرارات الانتشار والتحديث.

في المقابل، يوضح دبلوماسي أمريكي مشارك في ملفات الحد من التسلح، أن واشنطن تعاملت مع "ستارت 3" كإطار مرحلي، وأن النقاش داخل الإدارة يتركز حاليًا على كيفية مواءمة أي التزام مستقبلي مع واقع تكنولوجي تغيّر جذريًا خلال العقد الأخير، خصوصًا في مجالات الصواريخ الفرط صوتية وأنظمة الاعتراض المتقدمة.

ويرى الدبلوماسي الأمريكي في حديث لـ"إرم نيوز" أن مشروع القبة الذهبية لن يأتي كبديل عن الردع النووي، وإنما كطبقة إضافية ضمن منظومة أمن قومي متعددة المستويات، مشيرًا إلى أن المشروع وُضع في سياق تقديرات عسكرية تتعلق بتعدد مصادر التهديد وتنوعها، وليس حصرًا بالترسانة الروسية.

ومع ذلك، يعترف بأن أي منظومة دفاعية واسعة تترك أثرًا مباشرًا على الحسابات الاستراتيجية للطرف المقابل، وهو أثر تدركه الإدارة الأمريكية وتضعه في صلب نقاشاتها الداخلية.

في موسكو، يحمل المشروع دلالات مختلفة، حيث يوضح الدبلوماسي الروسي أن منظومة القبة الذهبية تُعيد تعريف العلاقة بين الهجوم والدفاع، وتفرض على المخططين العسكريين إعادة تقييم حجم ونوعية القدرات الهجومية المطلوبة لضمان الفاعلية الردعية.

خروج آليات الرقابة من المشهد النووي

ومنذ تعليق روسيا مشاركتها في آليات التفتيش وتبادل البيانات في مطلع 2023، لم تعد "نيو ستارت" تعمل كمنظومة تشغيلية مكتملة. فقد خرج عمليًا كل من التفتيش الميداني، الإخطارات المسبقة، وقواعد الشفافية المتبادلة من دائرة التنفيذ؛ ما أدى لأن يخلق هذا الواقع فجوة معرفية لدى الطرفين، حيث تعتمد التقديرات حاليًا على وسائل الرصد الاستخباراتي والتحليل التقني، بدلًا من البيانات المتبادلة.

دبلوماسيون أمريكيون يقرّون بأن هذا التحول رفع مستوى عدم اليقين، في وقت ترى فيه موسكو أن المعاهدة فقدت إحدى وظائفها الأساسية قبل نهاية عمرها الرسمي.

يشار إلى أن معاهدة "نيو ستارت" جاءت نتيجة مسار طويل من محاولات ضبط العلاقة النووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ثم روسيا، منذ سبعينيات القرن الماضي. 

في ذلك الحين، جاءت اتفاقات SALT لتضع أول سقوف رقمية للأسلحة الاستراتيجية، من دون أن تمس جوهر الترسانات القائمة. مع نهاية الحرب الباردة، دخل الطرفان مرحلة أكثر طموحًا، تمثلت في معاهدة "ستارت 1" الموقعة عام 1991، والتي أدخلت لأول مرة تخفيضات فعلية وكبيرة في عدد الرؤوس النووية ووسائل إيصالها، وربطت ذلك بنظام تحقق صارم ومفصل.

تلتها "ستارت 2" عام 1993، التي استهدفت حظر الصواريخ الباليستية متعددة الرؤوس، لكنها لم تدخل حيّز التنفيذ الكامل بسبب تعقيدات سياسية وتغيرات استراتيجية داخل روسيا والولايات المتحدة.

ومع مطلع الألفية، دخلت العلاقة النووية مرحلة ارتباك، حيث أخلّ انسحاب واشنطن من معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية عام 2002 بتوازن راسخ بين الهجوم والدفاع، وخلق فجوة ثقة عميقة لدى موسكو. في هذا السياق، جاءت "نيو ستارت" كمحاولة لإعادة بناء الحد الأدنى من الاستقرار.

ووقّعت المعاهدة في براغ عام 2010، ودخلت حيّز التنفيذ في 2011، واضعة سقفًا لعدد الرؤوس النووية المنتشرة، ومحددة أعداد وسائل الإيصال الاستراتيجية. مع تمديد المعاهدة لاحقًا، بدأ استخدام توصيف "نيو ستارت 3" في الخطاب السياسي والإعلامي للإشارة إلى النسخة الممتدة من الاتفاق، بعد أن استُنفدت الأطر السابقة.

الغموض المنظَّم في إدارة التوازن النووي

بالنسبة لواشنطن، شكّلت "نيو ستارت" أداة لإبقاء القدرة الروسية ضمن حدود معروفة. وبالنسبة لموسكو، كانت ضمانة لعدم انزلاق واشنطن نحو تفوق استراتيجي غير مقيّد. 

هذا وتؤكد مصادر دبلوماسية من الطرفين لـ"إرم نيوز" أن مرحلة ما بعد "ستارت 3" ستتسم بقدر أعلى من الغموض المنظم، رغم عدم وجود أي حديث عن فراغ كامل حتى الآن، ولا عن انهيار فوري لمنظومة الردع، إنما الواقع الحالي ينم عن انتقال إلى إدارة غير تعاقدية للتوازن النووي.

يشير المصدر الأمريكي إلى أن هذا النمط من الإدارة يزيد من أهمية القنوات الخلفية، خصوصًا بين العسكريين، لتفادي سوء التقدير. أما المصدر الروسي فيلفت إلى أن غياب القيود المكتوبة يدفع كل طرف إلى بناء سيناريوهاته على أسوأ الافتراضات الممكنة، وهو ما يرفع كلفة الخطأ ويضيق هامش المناورة.

ولا يتوقف أثر هذه التحولات عند حدود العلاقتين الثنائية، حيث يلفت الدبلوماسي الأمريكي إلى أن أي إعادة صياغة لقواعد الردع ستنعكس مباشرة على سلوك قوى نووية أخرى، سواء في آسيا أو أوروبا. أما المصدر الروسي فيشير إلى أن تفكك الأطر القائمة يمكن أن يعيد فتح نقاشات كانت مؤجلة داخل عواصم عدة حول الاستقلال الاستراتيجي وأنظمة الدفاع الوطنية.

وكان إعلان الإدارة الأمريكية عن مشروع "القبة الذهبية" في أيار/ مايو الماضي، نقل ملف الدفاع الصاروخي من مستوى التصورات إلى مستوى البرامج التنفيذية. المشروع الممتد لثلاث سنوات، جرى إدراجه ضمن أولويات وزارة الدفاع، مع تحديد مسارات تطوير متعددة تشمل الإنذار المبكر، الاعتراض الطبقي، وربط المنظومات الفضائية بالأرضية.

وخلال الأسابيع الأخيرة، عاد مشروع "القبة الذهبية" إلى واجهة النقاش، خصوصًا مع تصاعد الجدل حول كلفته وجدواه العملياتية. تقارير داخل الكونغرس تناقش قدرة المنظومة على التعامل مع تهديدات متطورة، فيما يشير مسؤولون دفاعيون إلى أن المشروع يخضع لمراحل اختبار وتطوير طويلة.

الدفاع الصاروخي الأمريكي والإنذار المبكر

ويتقاطع مشروع "القبة الذهبية" مع إعادة تفعيل مواقع الإنذار المبكر في الشمال، خصوصًا تلك المرتبطة بمسارات الصواريخ العابرة للقارات عبر القطب الشمالي. قواعد قائمة مثل منشآت الرصد في غرينلاند عادت إلى دائرة الضوء، باعتبارها جزءًا من شبكة الإنذار والاعتراض. دبلوماسيون روس يرون في هذا التوجه إشارة إلى إعادة ترتيب الجغرافيا الاستراتيجية للردع، فيما تعتبره واشنطن امتدادًا طبيعيًا لبنية قائمة منذ عقود.

في حين يَعتبر الباحث السياسي الأمريكي، جيفري لويس، أن واشنطن تتعامل مع نهاية "نيو ستارت" كعلامة على أن أدوات إدارة التوازن القديمة لم تعد تستجيب لتعقيد البيئة الحالية. هذا التعقيد، وفق تحليله، يرتبط بتعدد الفاعلين، وتسارع التطور التكنولوجي، وتداخل المجالات النووية والفضائية والسيبرانية.

ويشير خلال حديثه لـ"إرم نيوز" إلى أن مشروع "القبة الذهبية" يعكس هذا التحول في التفكير، حيث بات الدفاع الصاروخي جزءًا من مقاربة أوسع لإدارة المخاطر. في هذا السياق، تتراجع فكرة الاتفاقات الشاملة طويلة الأمد، ويصعد منطق الخطوات الجزئية والقدرات القابلة للتكيّف. 

ويحذر الباحث الأمريكي في الوقت نفسه من أن هذا النهج يحمل كلفة سياسية واستراتيجية، فغياب الأطر المكتوبة يضع عبئًا أكبر على القنوات غير الرسمية وعلى إدارة الإشارات المتبادلة.

إعادة تعريف الردع خارج الأطر التعاقدية

من جانبه، يرى الباحث السياسي الروسي ألكسندر غابويف، خلال حديث لـ"إرم نيوز" أن النقاش الدائر حول مستقبل "نيو ستارت" ومشاريع الدفاع الصاروخي الأمريكية يعكس خللًا أعمق في طريقة إدارة العلاقة النووية. من وجهة نظره، باتت موسكو تنظر إلى الإطار النووي كمرآة لطبيعة العلاقة السياسية مع واشنطن. 

ويذهب غابويف إلى أن موسكو تتعامل اليوم مع الردع النووي باعتباره عملية ديناميكية تتطلب تحديثًا مستمرًا في التفكير والانتشار.

في تقديره، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في انتهاء "نيو ستارت"، وإنما أيضًا في انتقال القرار النووي من مستوى القواعد المتفق عليها إلى مستوى التقديرات الداخلية غير المتبادلة. هذا الانتقال برأيه، يغيّر سلوك المؤسسات العسكرية نفسها، ويدفعها إلى بناء خيارات أوسع تحسبًا لبيئة أقل قابلية للتنبؤ.

يذكر أنه في الأسابيع الأخيرة، لم تظهر مؤشرات على وجود قناة تفاوضية نشطة بين واشنطن وموسكو حول مستقبل الإطار النووي. مصادر دبلوماسية روسية تحدثت عن غياب أي مقترحات مكتوبة أو جداول عمل، فيما يصف مسؤولون أمريكيون الوضع بأنه "تعليق سياسي واقعي" فرضته طبيعة العلاقات الثنائية. هذا الجمود يمنح لحظة الانتهاء وزنًا عمليًا؛ إذ لا يجري التحضير لبديل، ولا تظهر معالم اتفاق انتقالي واضح المعالم.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC