logo
العالم

كيف سيطرت الصين على البنية الرقمية الانتخابية في فنزويلا؟

زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادوالمصدر: (أ ف ب)

تصنع المُعارضة الفنزويلية  ماريا كورينا ماتشادو  مرّة جديدة الحدث في بلادها، عبر تغيير روزنامة ما بات يُنعت، اليوم، بـ"المرحلة الانتقالية".

 وتحدثت ماتشادو عن انتخابات عامة في البلاد في غضون 10 أشهر عوضاً عن 6 أشهر، مشترطة أن تكون يدوية وليست إلكترونية، في مؤشر واضح عن هيمنة صينية كاسحة وكاملة للبنية الرقمية في فنزويلا.

وفي تصريح لافت، قالت ماتشادو إنها تعتقد أن إجراء انتخابات ديمقراطية جديدة في فنزويلا أمر ممكن في غضون فترة من 9 إلى 10 أشهر.

وقالت ماتشادو، التي فازت بجائزة نوبل للسلام، العام الماضي، لصحيفة "بوليتيكو": "نعتقد أن عملية شفافة حقيقية مع تصويت يدوي... طوال العملية يمكن إنجازها في غضون 9 إلى 10 أشهر، لكن هذا يعتمد على وقت البدء".

وأضافت أنّها لم تناقش بعد جدولاً زمنياً محدداً لبدء مثل هذه العملية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكان الاثنان قد التقيا في البيت الأبيض في أعقاب عملية عسكرية أميركية للإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو في أوائل يناير/كانون الثاني.

تناقض في روزنامة الانتخابات

ويمثل هذا التصريح تناقضاً واضحاً وجلياً مع تصريحات سابقة للرئيسة بالنيابة ديلسي روديريغيز والتي اعتبرت أنّ الانتخابات العامة ستُخاض في غضون 6 أشهر.

ويشير هذا الاختلاف البيّن في تحديد روزنامة الانتخابات العامّة في فنزويلا إلى تباين أوسع في مستوى تعريف المرحلة الانتقالية بين الطرفين.

أخبار ذات علاقة

زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو.

ترامب "يراوغ".. عودة ماتشادو تهدد خطط فتح سوق النفط الفنزويلي

ووفقاً للتقديرات السياسية في كاراكاس، فإنّ ديلسي روديريغيز تسعى، حالياً، إلى منح زخم سياسي وانتخابي لحُكمها، من خلال توظيف كافة مُفردات المرحلة الانتقالية لصالحها.

وهو ما يفّسر تواتر أحداث كبرى على غرار "سنّ قانون العفو العامّ" و"إطلاق سراح بعض السجناء السياسيين"، و"إجراء خورخي روديريغيز رئيس البرلمان (شقيق ديلسي) لقاءات مع عائلات السجناء السياسيين في فنزويلا وتقديم وعد بالإفراج عنهم قبل 14 فيفري الجاري".

بالإضافة إلى دعوة ديلسي المعارضة إلى حوار سياسي وطني جامع، حول كافة القضايا الخلافية، وطيّ صفحة الماضي، وتجاوز الجروح السياسية غير المندملة.

ويؤكد المراقبون السياسيون في كاراكاس أنّ ديلسي نجحت في خلق زخم سياسي حولها، وهي تحاول، الآن، تطويعه وتحويله إلى زخم انتخابيّ، الأمر الذي قد يفسر نسبيا رغبتها في إجراء انتخابات في أقرب الأوقات والآجال.

حيث تعتبر أنّه كلما زادت الآجال وطالت الروزنامة الانتخابية، كلّما هدأ الزخم الانتخابيّ، وانفضّ حولها جزء واسع من الخزان الاقتراعيّ الذّي يرى فيها "تواصلاً عقلانياً وواقعياً" لنيكولاس مادورو، وقدرة على التفاوض مع واشنطن، وتثويراً إصلاحياً للبوليفارية التشافيزية.

ماتشادو تراهن على "الزمن الانتخابي السائل"

في المقابل، تمثّل دعوة ماريا كورينا ماتشادو لإجراء الانتخابات العامة عقب مرور 10 أشهر، ضربا للإستراتيجية السياسية والانتخابية لديلسي رودريغيز. 

ويشير المراقبون والمتابعون للشأن السياسي الفنزويلي إلى أنّ ماتشادو تعتقد أنّه كلما طال زمن "المرحلة الانتقالية" كلّما ظهرتْ ملفات مُعقدة يعسر حلّها على النخبة السياسية والعسكرية الحاكمة، اليوم، في كاراكاس.

حيث ستظهر ملفات سياسية وقضائية تمثل قنابل موقوتة في صلب منظومة الحكم القائمة، تفرض الصدام بين رأسي النظام (السياسي في مقابل الأمني والعسكري)، وكلّما زادت هذه الملفات ظهوراً وحضوراً، كلّما ضاقت هوامش التحرك وفُرض سيناريو الصدام بين هذه الأطراف.

ووفقاً للمراقبين، فإنّ قضايا التعذيب الممنهج والقتل العمد وإطلاق النّار على المتظاهرين، تجسد ملفات حارقة ومرهقة من شأنها أن تزيد الهوّة القائمة، اليوم، بين "الفاعل السياسي" و"الفاعلين الأمنيين والعسكريين"، وتُعجل من سيناريو تعرية النظام أمام الرأي العام الفنزويلي بشكل واسع، وأمام الناخبين المترديين بشكل خاصّ.

وطالما أنّ سيناريو الانقلاب العسكري متعذّر بسبب اليد الطولى الأمريكية على الشّأن الفنزويليّ، فإنّ السيناريو الأرجح يبقى متمثلاً في "التآكل الذاتي الدّاخلي"، وهو بالضبط ما تريده ماتشادو ولا تعارضه واشنطن.

أخبار ذات علاقة

ديلسي رودريغيز

4 مؤشرات.. هل حسمت رودريغيز "معركة" قيادة فنزويلا ضد ماتشادو؟

الأبعاد الإستراتيجية 

مع "التآكل الذاتي الداخلي" تظهر أبعاد انتخابية (بالمعنى الاقتراعي الإجرائي للكلمة)، وأبعاد إستراتيجية، متضمنة صلب دعوة ماتشادو.

فوفق المتابعين للشأن الانتخابي الفنزويلي، فإنّ تمديد آجال الآنتخابات لـ10 أشهر مقبلة، يهدف لتفكيك البنية التقنية والتكنولوجية الانتخابية، وهي بنية رقمية صينية ترى المعارضة أنّها صُنعت وبُرمجتْ أساساً لصالح الطغمة السياسية الحاكمة في كاراكاس.

إذ تبتغي المعارضة برئاسة ماتشادو تغيير العملية الانتخابية برمتها من عملية انتخابية تكنولوجية تقوم على التصويت الإلكتروني، إلى عملية انتخابية ورقية تقليدية تقوم على احتساب الأوراق الاقتراعية واستخدام الحبر، ما من شأنه إنهاء الهيمنة "الخوارزمية الإلكترونية" التي اجترحتها الصين خصيصاً للرئيس نيكولاس مادورو.  

وهو خيار تدرك المعارضة أنّه يستلزم تعبئة مواطنية، وتجنيداً للكثير من الطواقم الانتخابية، وتكويناً لفرق الرصد والمراقبة والعدّ، وكلها مقتضيات لوجستية تفترض حيزاً زمنياً يقارب السنة.

لذا فإنّ تصريح ماتشادو ربط، بشكل تلازمي، بين الانتخابات الديمقراطية والحرة والنزيهة من جهة، وبين المنظومة الاقتراعية اليدوية من جهة أخرى.

أخبار ذات علاقة

مضخة نفط في فنزويلا

بموافقة أمريكية.. فنزويلا تبدأ شحن النفط الخام إلى إسبانيا

بنية تحتية رقمية صينية

وفي سياق متصّل، يؤكد المراقبون للشأن الفنزويلي على أنّ خيار النأي عن المنظومة الانتخابية الإلكترونية، يحمل في طياته أبعاداً جيو سياسية وإستراتيجية، تعبر عن التنافس الدولي بين واشنطن وبين بكين.

ذلك أنّ الصين تمتلك تقريباً كافة البيانات الرقمية الفنزويلية، وتسيطر بشكل شبه كامل على منظومة البيانات والمعطيات الشخصية والرسمية، وعلى رأسها المعطيات الانتخابية، وهو أمر يحولها إلى فاعل انتخابي رئيس في حال اعتماد المنظومة الرقمية في الانتخابات المقبلة.  

وتكشف المصادر الإعلامية الفنزويلية المطلعة أن بكين عبر شركة ZTE التكنولوجية بنت بنية تحتية رقمية فائقة التعقيد لنظام "بطاقة الوطن"، وهي بطاقة تضم السجل الطبي والتاريخ التصويتي وكافة مشتريات الغذاء، بشكل مكّنها لا فقط من الاطلاع على المعطيات الشخصية لكل فرد يمتلك هذه البطاقة، وإنما أيضاً يمنحها القدرة على توجيه الزخم الانتخابي في البلاد.

كما تحظى شركة "هواوي" للهواتف الذكية والاتصالات بمكانة متميزة جداً في البلاد، إلى درجة أنّها لم تتأثر بالتغيير الطارئ في رأس السلطة، وتعكف، حالياً، على نشر شبكة الجيل الرابع والخامس على نطاق وطني واسع.

هذا بالإضافة إلى امتلاكها محطتيْ تتبع فضائي في محافظتي "إل سومبريرو" و"لوبيا".  

كلّ ما سبق، تعرفه واشنطن جيّداً، وتعرف حدوده أيضا، وتدرك أنّ أية خطوة لاستبدال المنظومة الرقمية الصينية بأخرى أمريكية، يستلزم ميزانية مالية ضخمة، ويستوجب منظومة لوجستية كبرى، من الواضح أنّ واشنطن عاجزة، حالياً، عن تأمينها، كلياً وجزئياً.

وهي حقائق، تدرك المعارضة الفنزويلية بقيادة ماتشادو، حجم وطأتها على الانتخابات القادمة في حال إنجازها رقمياً، وثقل تأثيرها على النخبة السياسية المقبلة في فنزويلا، في حال فوز المعارضة بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وبناءً عليها- يرى المراقبون- أنّ ماتشادو اختارت تحييد هذا الملف مؤقتاً، وعدم استثارة الفاعل الصيني الذي يرى أمام أنظاره الصرح الفنزويلي الذي بناه بلبنات صينية يتساقط أمام أنظاره باطراد.

أخبار ذات علاقة

 رئيسة فنزويلا بالنيابة ديلسي رودريغيز

فنزويلا.. "النفط" يشعل حرباً طاحنة بين حكومة رودريغيز والميليشيات

 ففي شهر واحد فقط، خسرت الصين، رئيساً مؤيداً لها بصفة راديكالية، وصفقات نفط بامتيازات اقتصادية متقدمة، وتعهد رسمي بمواصلة تسديد الديون المتراكمة، الأمر الذي يجعل من خسارة البنية التحتية الرقمية، ضربة قاضية قاصمة وقاسية قد ترد عليها الصين في مواقع من شأنها تغيير التوازنات الإقليمية والدّولية القائمة مع واشنطن.

 غير أنّ هذه الهدنة، لا تعني أبداً، انّ هذا الملف لن يُثار مجدّداً بعد الانتخابات العامة، فعلى العكس تماما، قد تستعمله ديلسي رودريغيز للتفاوض مع بكين حول مآلات تسديد الديون المتراكمة ولتوسيع هوامش التحرك حيال واشنطن، وقد توظفه في المقابل ماتشادو لتثبيت تحالفها مع واشنطن وإثبات أنّ "رياح التغيير" في منطقة الكاريبي، لابد أن تعصف باليسار، وبمن يسير ويساير اليسار في المنطقة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC