بعد الجدل الدولي الذي أثاره الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بشأن رغبته في السيطرة على حزيرة غرينلاند، بدأت الأنظار تتجه نحو منطقة دنماركية أخرى نائية، وهي جزر فارو.
وفي ظل موقعها الإستراتيجي غير المتناسب مع حجمها، ومع تزايد الاهتمام الأمريكي والروسي والصيني بالمنطقة، تبدو جزر فارو، اليوم، أكثر من مجرد أرخبيل ناءٍ تعصف به الرياح والأمطار، فوفق تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" باتت "نقطة ساخنة محتملة في الصراع على الهيمنة في شمال الأطلسي".
وقد تتحول رغبة سكانها في الاستقلال إلى أداة في يد القوى الكبرى، فهذا الأرخبيل الصغير في شمال المحيط الأطلسي، الذي يقطنه نحو 55 ألف نسمة فقط، يشهد توتراً جيوسياسياً متزايداً، حيث يرى مراقبون أنه قد يصبح "الورقة الرابحة" التالية في الصراع على النفوذ في المنطقة القطبية الشمالية.
وتقع جزر فارو في قلب ممر مائي إستراتيجي حيوي يُعرف بـ"فجوة غرينلاند-آيسلندا-المملكة المتحدة"، وهو أحد أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم.
ويبلغ عرض هذا الممر نحو 200 ميل في أضيق نقطة له، ويُستخدم من قبل أساطيل حلف شمال الأطلسي (الناتو) لمراقبة التحركات الروسية، بينما تجوب غواصات روسية نووية قادمة من قاعدة مورمانسك هذه المياه.ومع تصاعد المنافسة في القطب الشمالي بسبب ذوبان الجليد وفتح طرق بحرية جديدة، أصبحت الجزر هدفاً محتملاً للقوى الكبرى.
مع أن ترامب استدرك تهديداته المباشرة بضم غرينلاند بعد تصريحاته في منتدى دافوس مطلع العام الجاري، إلا أن تلك التصريحات أثارت موجة قلق عميقة في مملكة الدنمارك بأكملها، بما في ذلك جزر فارو.
وأدّت الأزمة إلى تعليق المفاوضات بين الجزر وكوبنهاغن حول منح مزيد من الحكم الذاتي، والتي كان مقرراً استئنافها الشهر الماضي.
وتنقل "نيويورك تايمز" عن رئيس وزراء جزر فارو أكسل ف. يوهانسن قوله إن "غرينلاند والدنمارك في وضع سيئ"، مضيفاً أن هناك اجماعاً سياسياً واسعاً على ضرورة تغيير العلاقة مع الدنمارك.
على عكس غرينلاند التي تعتمد، بشكل كبير، على الدعم الدنماركي المالي، نجحت جزر فارو في بناء اقتصاد قوي محلي، يعتمد أساساً على صادرات سمك السلمون التي تصل قيمتها إلى حوالي مليار دولار سنوياً.
ومنح هذا الاستقلال الاقتصادي سكان الجزر الثقة في إمكانية الانفصال والاعتماد على أنفسهم، وقد تصاعدت الرغبة في الاستقلال خلال السنوات الأخيرة، لكن الجزر، وفق خبراء، ليست بعيدة عن أعين القوى المنافسة.
وسعت شركة صينية قبل سنوات إلى الاستحواذ على نظام الاتصالات في الجزر عبر شركة هواوي، في صفقة أثارت ضغوطاً أمريكية هائلة، مما دفع الجزر إلى اختيار مورد أوروبي بديل.
وفي الوقت نفسه، تثير سفن الصيد الروسية التي ترسو بانتظام في موانئ الجزر مخاوف من استخدامها لأغراض تجسس أو تخريب، خاصة بعد قطع كابلات بحرية في المنطقة الاسكندنافية، حيث تُعد روسيا المشتبه الرئيس.
وأعلنت روسيا تغييراً في عقيدتها البحرية يسمح باستخدام السفن المدنية لأغراض عسكرية إذا لزم الأمر، ويقول هوغني هويدال، وزير خارجية جزر فارو السابق وأحد أبرز الداعين للاستقلال: "الحرب الباردة القديمة تعود من جديد، ونحن في قلبها".
أما سيوردور سكالي، ممثل الجزر في البرلمان الدنماركي، فيرى أنه "بدون الناتو، سيستولي علينا الروس إذا أرادوا ذلك
قبل الإفطار غداً". ورغم الضغوط، يؤكد قادة الجزر التزامهم بالتضامن مع الدنمارك وغرينلاند في الوقت الراهن.
ووفق بيارني كاراسون بيترسن، عضو برلمان الجزر: "من وجهة نظر تفاوضية قد يكون هذا غير حكيم، لكنه عمل حسن نية تجاه أصدقائنا". ومع ذلك، يصرون على أن حلمهم بالاستقلال لم ينتهِ، وأنهم يسعون إلى اتفاقيات تجارية مستقلة، وتمثيل دولي أوسع.