logo
العالم

احتجاجات إيران بعيون أوروبية.. من شاهد أخلاقي إلى "لاعب سياسي"

مظاهرة في إيطاليا تضامنا مع المحتجين في إيرانالمصدر: (أ ف ب)

تعكس تصريحات الزعماء الأوروبيين حيال موجة الاحتجاجات الحالية التي تعصف بإيران تحولاً في المواقف التي باتت تأخذ طابعاً أكثر حدة؛ فمع كل موجة احتجاج، لجأت العواصم الأوروبية إلى بيانات الإدانة المدروسة بعناية، التي توازن بين الدفاع عن حقوق الإنسان، والحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع طهران.

غير أن المقاربة  الأوروبية لموجة الاحتجاجات الحالية تتخطى رد الفعل التقليدي المعروف القائم على القلق اللفظي، لتصل إلى حد مساءلة النظام السياسي وتحذيره، وتسمية الأشياء بمسمياتها "المزعجة" دون مراعاة للتبعات المحتملة.

الموجة العاشرة

شهدت إيران منذ ما سُمي بـ"انتصار الثورة" عام 1979 نحو تسع موجات احتجاج رئيسة، غير أن التحليلات السياسية ترجّح أن الموجة العاشرة الحالية قد تكون حاسمة ومفصلية، لا سيما في ظل الزخم الشعبي المتراكم، وضيق هامش المناورة أمام السلطة، التي تمر في أضعف اللحظات، بحسب تقارير.

ويرى خبراء أن هذه  الاحتجاجات تختلف جذرياً عن سابقاتها، فهي لم تنطلق من أزمة اقتصادية ظرفية أو صراع داخل النخب، بل من قاع اجتماعي وثقافي عميق يطعن في شرعية الحكم، ويتحدى السلطة الرمزية للنظام قبل أدواته الأمنية.

كما تتسم بانتشار جغرافي واسع يصعب احتواؤه، في ظل تآكل فعالية القمع التي باتت ترتد سلباً على سمعة النظام، رغم قسوته، وسقوط هيبة الخطوط الحمراء؛ إذ فقد التعاطي الأمني جدواه، كما كانت الحال في احتجاجات سابقة.

وعلى المستوى الخارجي، فإن هذه الاحتجاجات تأتي في سياق دولي ضاغط وعزلة خانقة تعيشها إيران، مع تحريض وضغط أمريكي واضح ومعلن من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي شجع الإيرانيين على مواصلة الاحتجاجات، متعهداً بأن "المساعدات في الطريق"، دون أن يفصح عن ماهيتها، لكن التصريح يعيد إلى الأذهان ما حدث منذ أيام للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وكيف أطاحت به واشنطن في عملية نوعية سريعة وحاسمة.

يضاف إلى ذلك أن النفوذ  الإيراني الإقليمي يشهد تراجعاً واضحاً؛ إذ تحوّلت أذرعه الخارجية من لبنان والعراق وصولاً إلى اليمن، من أدوات ردع وتأثير إلى عبء استنزافي سياسياً واقتصادياً، وهو ما يحد من قدرة طهران على مجابهة الاحتجاجات بالاندفاع والثبات أنفسهما كما في محطات الاحتجاج السابقة.

ويشير خبراء إلى أن هذا الطابع المختلف للاحتجاج هو ما جعل المؤسسات الأوروبية تنظر إليه لا كموجة قابلة للاحتواء، بل كمؤشر على تصدع سياسي قادم.

ويلاحظ خبراء أن هذا الفهم الجديد انعكس، مباشرة، في صياغات الخطاب الأوروبي الحالي، الذي يمثل قطيعة مع اللغة الدبلوماسية السابقة التي لطالما اكتفت بـ"التعبير عن القلق"، و"الدعوة إلى ضبط النفس"، ليصبح وصف العنف ضد المتظاهرين بـ"الوحشي" و"المروّع" ليس مجرد بلاغة لغوية، بل إعادة توصيف لما يجري في إيران باعتباره عنف دولة ممنهجاً، لا مجرد حالات فردية منعزلة.

أخبار ذات علاقة

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر

لندن تستدعي السفير الإيراني تنديدا بقمع التظاهرات

ويوضح الخبراء أن العامل الأبرز، الذي يبرهن على تغير الموقف الأوروبي، هو تراجع أولوية الملف النووي في إدارة العلاقة مع طهران؛ فللمرة الأولى لا تظهر أوروبا حرصاً في اختيار عباراتها بهدف الحفاظ على فرص التفاوض النووي، وهو ما كان يعد أحد ثوابت السياسة الأوروبية التي فضلت النهج الدبلوماسي بدل التصعيد تجاه طهران.

ورغم أن قرار البرلمان الأوروبي بحظر دخول الدبلوماسيين والممثلين الإيرانيين إلى مبانيه يحمل طابعاً رمزياً، لكن له دلالات سياسية عميقة، بحسب خبراء، خصوصاً وأن تجارب سابقة تظهر أن تشدد البرلمان الأوروبي يسبق تحولات أوسع في مواقف المفوضية والمجلس الأوروبي تجاه هذا الملف أو ذاك؛ ما يجعل هذه الخطوة مؤشراً يصعب تجاهله.

ومن المؤشرات على تغيير موقف القارة، هو أنها فعّلت أدواتها العقابية بوتيرة أسرع وأكثر وضوحاً؛ فالعقوبات لم تعد مقتصرة على أفراد معزولين، بل باتت تستهدف شبكات ومؤسسات مرتبطة مباشرة بالقمع.

وثمة عامل آخر لا يقل أهمية وهو اتساع هامش التوافق الأوروبي؛ ففي السابق كانت الانقسامات واضحة بين دول تميل إلى التشدد وأخرى تفضّل المرونة، أما اليوم فثمة تقارب ملحوظ في الخطاب بين باريس وبرلين ولندن وبروكسل؛ ما يشير إلى نوع من "الإجماع السياسي" قد يتطور إلى سياسة ضاغطة تقارب الموقف الأمريكي.

ويضيف الخبراء عاملاً آخر، وهو أن أوروبا باتت تربط ما يجري داخل إيران بمخاوف وهواجس أمنية قد تطالها؛ فالقمع الواسع للاحتجاجات لن تقتصر تداعياته على إيران، بل سيفاقم التوترات في الإقليم، التي ستؤثر بالتالي على ملفات الهجرة، والطاقة، والأمن.

عوائق

ورغم هذه المؤشرات التي تبرهن على أن التحرك الأوروبي هذه المرة مختلف، غير أن الانتقال إلى مرحلة ممارسة الضغط السياسي الممنهج بهدف إسقاط النظام يظل مسألة أكثر تعقيداً، وتصطدم بجملة من العوائق من بينها طبيعة الاتحاد الأوروبي؛ فسياسته الخارجية هي نتاج توازنات دقيقة بين 27 دولة، لكل منها مصالحها وحساسياتها وتصوراتها.

يضاف إلى ذلك أن الأدبيات السياسية الأوروبية ومعاهداتها المؤسسة تحض دائماً على حل النزاعات سلمياً، وتبدي الكثير من المخاوف حيال سيناريوهات الفوضى.

أخبار ذات علاقة

تظاهرة في واشنطن تأييدا للاحتجاجات ضد النظام الإيراني

ضغط داخلي وخارجي.. كيف تدير واشنطن معركة استنزاف النظام الإيراني؟

ومن هذا المنظور، فإن الكثير من العواصم الأوروبية لا تزال تنظر إلى إسقاط النظام الإيراني بوصفه سيناريو محفوفاً بالمخاطر، قد يفتح الباب أمام حالة عدم استقرار تتجاوز حدود إيران، وهو هاجس يفرمل الحماسة الأوروبية نحو الدفع لانهيار شامل للنظام؛ فالقارة المعروفة بسياساتها المحسوبة بدقة تخشى من "اليوم التالي" للسقوط، في ظل غياب أي سيناريو متماسك ومنطقي للبديل.

ولا يمكن، كذلك، إغفال العامل الاقتصادي؛ إذ تتخوف أوروبا من أن يؤدي تصعيد غير محسوب إلى دفع إيران أكثر نحو روسيا والصين؛ ما يقلص النفوذ الأوروبي ويحوّل الضغط إلى نتيجة عكسية.

لكن كل ذلك لا يلغي، بحسب خبراء، حقيقة انتقال أوروبا من مجرد شاهد أخلاقي على ما يجري في إيران إلى لاعب سياسي مؤثر يحدد مصير النظام، أو بعبارة أخرى توظيف القيم القانونية والأخلاقية والحقوقية في فعل سياسي يضعف النظام ويمهد لسقوطه.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC