logo
العالم

بطة عرجاء أم وأد لمشروع "ماغا".. لماذا يخشى ترامب من "التجديد النصفي"؟

الرئيس الأمريكي دونالد ترامبالمصدر: رويترز

هكذا هو المشهد السياسي الأمريكي، فبمجرد أن يطوي الرئيس المنتخب عامه الأول، حتى يدخل رسميا "عام الانتخابات" النصفية، هي استحقاق اقتراعي يهمّ الغرفتين التشريعيتين (مجلس النواب، والكونغرس)، غير أنّ تداعياته تطول مباشرة ساكن البيت الأبيض دونالد ترامب، فإمّا أن تؤمّن له "حزاما برلمانيا واسعا لتطبيق رؤية "ماغا"، أو أن يحصل الكابوس الذي يخشاه، سيناريو "البطة العرجاء" الذي يمثل لوأد نهائي لمشروع "ماغا".  

ويطلق على العام الثاني من العهدة الرئاسية الأمريكية عام الانتخابات، حيث ستشهد الولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر 2026، انتخابات التجديد النصفي وهي انتخابات قد تعصف بالتركيبة النيابية الحالية والتي تعطي الجمهوريين 222 مقعدا في مقابل 213 للديمقراطيين في مجلس النواب، و52 مقعدا للجمهوريين في مقابل 48 للديمقراطيين ومعهم المستقلين في مجلس الشيوخ.

أخبار ذات علاقة

دونالد ترامب

"انتصارات ماغا 2025".. تحصيل 235 مليار دولار من رسوم ترامب الجمركية

خيارات ترامب

وتؤكّد المصادر القريبة من الرئيس دونالد ترامب أنّ الأخير يحشد حاليا أنصاره وحلفاءه لتحقيق أحد الهدفين، فإمّا الانتصار في الانتخابات ومن ثمة السيطرة على السلطتين التنفيذية والتشريعية والتفرغ بالتالي في استكمال مشروع "ماغا"، وإمّا الخسارة النسبية التي لا تغير شيئا في التوازنات السياسية حيث يبقى الجمهوريون محافظين على تقدمهم في مجلس النواب وفي الكونغرس، وفي أتعس الحالات، الإبقاء على الكونغرس تحت أيديهم، إن فرض عليهن قبول خسارة "النواب".  

ودعا ترامب في أكثر من اجتماع حزبي جمهوري قيادات حزبه وأنصاره إلى إلحاق الهزيمة بالديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي، مشيرا إلى أنّ الديمقراطيين يودون عزله مجددا، كما فعلوا ذلك مرّتين خلال العهدة الأولى.

ولئن كان من الصعب تأكيد فرضية وجود نية رسمية وهيكلية لدى الحزب الديمقراطي بعزل الرئيس ترامب خلال النصف الثاني من ولايته الرئاسية الثانية، إلا أنّ الأكيد – وفقا لمراقبين للشأن الأمريكي- أنّ خشية ترامب من سيناريو البطة العرجاء، حيث يصبح القرار السياسي الأمريكي مشرذما بين السلطة التشريعية الديمقراطية والسلطة التنفيذية الجمهورية سيناريو لا يود ترامب مجرّد التفكير فيه. 

تلويح لاستبعاد السيناريو المخيف

ولا تستبعد القراءات السياسية الأمريكية المطلعة أن يكون ترامب يلوّح بورقة "عزل الديمقراطيين له"، وما قد يخلفه من مشاكل هيكلية في إدارة الدولة قد تكون لها تداعيات أمنية خطيرة، قصد تعبئة الخزان الانتخابي الجمهوري في "التجديد النصفي"، والحيلولة دون انقلاب الموازين.

أخبار ذات علاقة

الكونغرس الأمريكي

"معركة مصيرية".. رهانات معقدة لترامب في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس

وجرت العادة الانتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية، أن يحظى الحزب المنافس للرئيس المنتخب بغالبية المقاعد في انتخابات التجديد النصفي، ما يخلق توازنا في القوى بين الحزبين، إلا أنّ ترامب يودّ كسر هذه القاعدة والحيلولة دون اكتساح الديمقراطيين للمجلسين التشريعيين.

وتمثل تجربة العهدة الرئاسية الأولى، تجربة مريرة لترامب، حيث تعرّض للعزل من منصب الرئاسة مرتين اثنتين، ونالت المحاولتان موافقة مجلس النواب، (2019 – 2021) ولولا عدم تمتع الديمقراطيين بغالبية الثلثين في الكونغرس لكان ترامب أول رئيس أمريكي يتعرض للعزل في تاريخ رؤساء البيت الأبيض.
منافسة قوية

وسيتنافس الحزبان على كافة مقاعد مجلس النواب ال435، وبالنظر إلى الوضع الراهن، فإنّ الديمقراطيين في حاجة إلى قلب 3 إلى 5 مقاعد فقط لاستعادة السيطرة على المجلس، وهو أمر وارد جدّا.

وفي مجلس الشيوخ، سيتنافس الحزبان على 35 مقعدا فقط من أصل 100، وهي من الفئة الثانية التي انتهت مدتها النيابية ذات الـ6 سنوات كاملة. 

وتؤكد المصادر الصحفية الأمريكية أنّ من بين ال35 مقعدا، سيدافع الجمهوريون عن 22 مقعدا، فيما يدافع الديمقراطيون على 13 مقعدا فقط.

والحقيقة أنّ هندسة المشهد الانتخابي في الولايات المتأرجحة، وقراءة اتجاهات الأصوات، ما تزال عملية مبكرة، حيث أنّ فترة ال10 أشهر تعتبر فترة طويلة بالمعنى الاقتراعي لتحديد التوجهات الكبرى.

وعلى الرغم أنّ بعض الدراسات السياسية والانتخابية الأمريكية تُشير إلى "التضخم المالي"، و"الأزمات الاقتصادية والاجتماعية"، و"قضايا الهجرة والترحيل"، كوقود للانتخابات، إلا أنّه لا يمكن التسليم بأثرها في تشكيل المشهد الانتخابي في نوفمبر القادم.

القلق الترامبي المتصاعد

وعلى الرغم من كل ما سبق، فإنّ قلقا وتململا كبيرين يبديهما الرئيس ترامب، حيال انتخابات التجديد النصفي، وما يمكن أن تفرزه من مشهد جديد في الغرفتين النيابيتين.

يدرك ترامب أكثر من غيره أنّ العزل بمعناه الدستوري شبه مستحيل في حالته القائمة والقادمة، ذلك أنّه يحتاج لغالبية النصف زائد واحد في مجلس النواب ولغالبية الثلثين في مجلس الشيوخ.

وهو يدرك أيضا انّ العزل في الولاية الأولى كان أسهل وأيسر من العزل في الولاية الثانية، حيث اكتسب معرفة بدواليب الدولة، وفرض إرادته على الإقليم القريب والأقاليم البعيدة، وهو يعرف أيضا أنّ العزل قرار خطير ستكون له تكلفة خطيرة جدّا قد تمسّ السلم الاجتماعي في الولايات المتحدة وتدخلها في أتون حرب أهلية لا تبقي ولا تذر.

حيال كل هذه الإدراكات، يتساءل المراقبون مالذي يخشاه إذن ترامب من غالبية ديمقراطية افتراضية، عاجزة عن زحزحته من كرسي الرئاسة في البيت البيضاوي؟

فرضيات التململ الترامبي

هنا يطرح المراقبون عدّة فرضيات لقلق ترامب من بينها إمكانية سيطرة الديمقراطيين على لجنة الاستخبارات أو اللجنة القضائية، بما يعني آليا الانطلاق في تحقيقات معه في سياسات الترحيل الجماعي التي استهدفت الكثير من المهاجرين واللاجئين، وعرضت حياتهم للخطر باعتبار عدم وجود ضمانات قضائية في البلد الأصلي، أو في البلد الثالث.

وهو بهذا الطرح، يخشى من سيناريو "بنيامين نتنياهو" في المساءلات والتحقيقات الطويلة مع لجان التحقيقات. 
أمّا الفرضية الثانية – وفق تقدير الخبراء- فهي فرضية شروع الديمقراطيين تحت ضغط الشارع الديمقراطي المنتفض ضدّ التضخم وسياسات الترحيل القسري وسحب الجنسية والإقامة عن المهاجرين، في مسار العزل.  

صحيح أنّ فرضيات نجاح العزل الدستوري في الكونغرس شبه منعدمة، إلا أنّ إمكانيات نجاح العزل إعلاميا وسياسيّا تبقى جدّ واردة وقوية.

ويشير المتابعون إلى وجود 4 أسباب تجعل من العزل السياسيّ لترامب واردة جدّا، وهي على التوالي أوّلا "خرق الدستور واغتصاب سلطة الكونغرس" في إعلان الحرب ضدّ فنزويلا وإيران والتلويح بها ضدّ حليف تاريخي ممثلا في الدنمارك وجزيرتها القطبية "غرينلاند"، ثانيا تضارب المصالح والعملات الرقمية، ثالثا تسييس العدالة وتفكيك الخدمة المدنية من خلال إعادة العمل بالجدول F وهو الإجراء الذي حوّل موظفي الخدمة المدنية، وهم بعشرات الآلاف، إلى موظفين سياسيين ما ييسر عملية رفتهم من عملهم في أي وقت.

رابعا فيتجسد في قضايا الأمن والحدود، عبر استخدام قوانين الطوارئ بشكل غير دستوري لتمويل عمليات الترحيل الجماعي وعسكرية الحدود مع المكسيك.

وهي أسباب كافية جدّا لتحويل سيناريو "البطة العرجاء" إلى "عنقاء عرجاء"، تجعل ترامب وفريقه أمام جردة حساب سياسي وأخلاقي ثقيل أمام أعدائه الديمقراطيين المنتشرين في البرلمان والإعلام والجمعيات الأهلية والنقابات العمالية.

عزل "ماغا"

غير أنّ العزل الحقيقي الذي يخشاه ترامب، يكمن في عزل مشروع "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا"، وما يعرف ب"ماغا".
وهو مشروع سيوأد بشكل كامل أو جزئي، في حالة سيطرة الديمقراطيين على "النواب" والشيوخ"، من حيث إجبارهم لترامب على الحصول على موافقة الكونغرس قبل المضي في أية مغامرة عسكرية، سواء أكانت المغامرة في الفضاء اللاتيني أو خارجه، أو من حيث رفضهم لسياسات الهجرة والترحيل.

ولا يستبعد المراقبون أن يرفع الكونغرس الديمقراطي الفيتو في وجه ترامب بشكل واضح وجلي في ملفين اثنين على الأقل، الأول غرينلاند باعتبارها تابعة للدنمارك الدولة الجارة والحليفة ضمن التكتل الأطلسيّ، والثاني كندا حيث أنها تمثل الجارة التاريخية للولايات المتحدة وأحد أهم شركاء واشنطن التجاريين.

وقد يمتد الرفض الديمقراطي لحرب الرسوم الجمركية المعلنة أمريكيا ضدّ كل العالم تقريبا، ومطالبة ترامب لمراجعتها بعد أن ارتدت على الفئات الهشة والفقيرة والمتوسطة الأمريكية بالوبال جراء التضخم المالي غير المسبوق.

حيال كل ما سبق، لا يستبعد المتابعون أن يستبق ترامب الانتخابات بإجراءات تفرض الأمر الواقع على الجميع، وتضيق من هوامش تحرك الديمقراطيين، حتى وإن فازوا بالغالبية النيابية، وهو أمر ممكن مع رئيس يصعب التنبؤ بخطواته..

في المُقابل، ينظر الساسة الدنماركيون إلى تقارير التغيير القادم في الكونغرس بكثير من الأمل، لطرد كابوس الاستيلاء والاستحواذ... فلا يبدو أن هناك ضامنا في المشهد الأمريكي لطمأنتهم غير غالبية ديمقراطية مريحة في النواب والكونغرس تعيد توزيع الأوراق وترتيب موازين القوة... هكذا تتحدث كوبنهاغن ومعها حلفاؤها.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC