واصل النظام الإيراني تنفيذ حملة إعدامات جماعية شنقًا، مستغلًا "غطاء الحرب" لتصفية معارضيه، فخلال الشهر الماضي فقط، أُعدم 16 رجلًا، من بينهم 8 سجناء سياسيين و8 متظاهرين، وفقًا لما وثّقته شهادات مسجلة داخل السجون ومقابلات مع عائلات الضحايا.
وتوقّفت عمليات الإعدام مؤقتًا مع بدء الحرب في 28 فبراير/ شباط الماضي، لكنها استُؤنفت بقوة بعد 18 مارس/ آذار، فيما يبدو أنه محاولة لإخضاع الشارع الإيراني وسط الاضطرابات، بحسب تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية.
وجاءت أبرز الشهادات من "بابك علي بور"، البالغ من العمر 34 عامًا، وهو خريج القانون وعاشق تسلق الجبال، الذي قضى ثلاث سنوات في زنزانته بسجن رجائي شهر في مدينة كرج شمالي طهران.
وقبل إعدامه، كتب "علي بور" بخط يده الأنيق رسائل يصف فيها زملاءه الذين سبقوه إلى المشنقة، إذ كان هناك "بهروز إحساني" (69 عامًا) الذي وصفه بـ "كبير المجموعة" والذي لم يغضب يومًا، وأيضًا "مهدي حسني" (48 عامًا)، وهو أب لثلاثة أطفال، الذي التقاه مرتين في مستشفى السجن وطلب منه إبلاغ أبنائه أنه بخير.
وفي 12 مارس، صوّر علي بور مقطع فيديو قصيرًا بهاتف مهرّب، قال فيه: "لقد جاء دكتاتوريون، وأُطيح بهم، وماتوا، وقُتلوا، والآن جاء دور دكتاتورية ابن خامنئي"، في إشارة إلى تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى بعد مقتل والده علي خامنئي في غارات جوية أمريكية إسرائيلية.
وبعد أقل من أسبوعين، في 31 مارس، اقتيد "علي بور" إلى سجن غزل حصار القريب، وشُنق مع زميله "بويا قبادي" (32 عامًا)، وهو مهندس كهربائي، إذ اتُهم الاثنان، إلى جانب إحساني وحسني، بالانتماء إلى حركة تمرد مسلحة وعضوية منظمة مجاهدي خلق المعارضة.
ولم يتمكن والده المزارع من استعادة جثمانه، واختفى شقيقه روزبه منذ شهر بعد اعتقاله مع أخته مريم ووالدته أم البنين دهقان أثناء وقفة احتجاجية أمام السجن.
ولم يكن علي بور الأصغر سنًا، فقد أُعدم أمير حسين حاتمي (18 عامًا) في 2 أبريل بعد اعتراف قسري بتهمتي "المحاربة" و"الإفساد في الأرض" لمشاركته المزعومة في هجوم على قاعدة للحرس الثوري خلال احتجاجات يناير/ كانون الثاني الماضي.
وكان آخر الإعدامات حتى الآن "أمير علي ميرجافاري" (24 عامًا)، وهو طالب وفني حاسوب، الذي شُنق يوم الثلاثاء بتهمة المشاركة في الاحتجاجات، فيما لا يزال 11 سجينًا سياسيًا آخرين ينتظرون الإعدام، أعمارهم تبدأ من 23 عامًا.
ومن السويد، يروي "رضا يونسي" (45 عامًا)، أستاذ الكيمياء بجامعة أوبسالا، قصة عائلته المشتتة، فقد اعتُقل شقيقه علي (26 عامًا)، الطالب المتفوق في علم الفلك، قبل ست سنوات، ووالده يوسف (73 عامًا) قبل ثلاث سنوات، بتهمة الارتباط بمنظمة مجاهدي خلق.
وقبل أسابيع، اختفى الوالد داخل السجن تسعة أيام، ثم اتصل بزوجته وأخبرها أنه نُقل إلى السجن نفسه الذي يقبع فيه ابنه. يقول يونسي: "نحن نتحدث عن نظام وحشي مروع. وعندما تندلع الحرب، يصبحون أكثر وحشية.. يعلمون أن المجتمع الدولي عاجز".
ويوم الخميس، قال الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إنه أقنع طهران بعدم إعدام ثماني نساء، لكن الجانب الإيراني نفى المزاعم، ولم يصدر البيت الأبيض أي تعليق على الرجال الذين أُعدموا.

وفي فيديو أخير صُوّر سرًا، حذّر بابك علي بور من أن النظام "يريد أن يُظهر أقصى درجات وحشيته" تحت غطاء الحرب لإنقاذ نفسه.
وكانت منظمة "هرانا" قد أشارت إلى أن وتيرة تنفيذ أحكام الإعدام في إيران دخلت مرحلة "جديدة ومقلقة" منذ بدء النزاع الأخير، ووصفتها بأنها "تتميز بالتركيز الكامل على السجناء المتهمين بقضايا سياسية وأمنية، وبوتيرة متسارعة ملحوظة في تنفيذ الأحكام".
ومنذ استئناف عمليات الإعدام في التاسع عشر من مارس، أحصت المنظمات الحقوقية إعدام ثمانية رجال على خلفية تهم تتعلق باحتجاجات حاشدة خرجت هذا العام، وثمانية آخرين من أعضاء منظمة "مجاهدي خلق" المعارضة المحظورة في إيران.
ويترافق هذا التصعيد في تنفيذ الأحكام فيما كان مسؤولون إيرانيون قد حذروا مرارًا من أن أي "تعاون مثبت مع إسرائيل لن يقابل بأي تهاون".
واحتضن البرلمان الأوروبي في بروكسل، يوم الجمعة، مؤتمرًا سياسيًا وحقوقيًا موسعًا خُصص لبحث سبل التعامل مع تصاعد الإعدامات في إيران، وسط دعوات أوروبية متزايدة لاعتماد موقف أكثر وضوحًا وحزمًا تجاه طهران، يضع ملف حقوق الإنسان في صلب أي علاقة مستقبلية.
وانتقدت الرئيس المنتخبة للمعارضة الإيرانية مريم رجوي بشدة تقاعس الدول الأوروبية وصمتها تجاه موجة الإعدامات الوحشية التي ينفذها النظام الديني في طهران.
ويأتي الحراك الأوروبي، بحسب "مونتي كارلو"، بينما تتقاطع الضغوط الحقوقية مع ملفات البرنامج النووي الإيراني والتوترات الإقليمية، ويرى مراقبون أن تصاعد الإعدامات قد يتحول إلى أحد أبرز محاور الخلاف بين طهران والعواصم الغربية خلال المرحلة المقبلة.
ويتزامن ذلك مع دعوات داخل الاتحاد الأوروبي لإعادة صياغة السياسة تجاه إيران، بما يوازن بين المصالح الاستراتيجية والالتزامات الحقوقية، في ظل تزايد الانتقادات لسياسات "الاسترضاء" التي اتُّبعت في مراحل سابقة.