يتزامن طرح الخيار البري الأمريكي مع قرار إدارة دونالد ترامب إرسال عناصر من الفرقة 82 المحمولة جوًا إلى الشرق الأوسط، في وقت يجري فيه تداول خطط تتعلق بأهداف محددة داخل إيران، بينها جزيرة خرج، ومضيق هرمز، ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب.
وتُعد الفرقة 82 المحمولة جوًا من وحدات التدخل السريع التي تُستخدم عادة في عمليات الإنزال والسيطرة على المطارات والمنشآت الحيوية في المراحل الأولى من العمليات، وهو ما يشير إلى أن السيناريوهات التي يجري التفكير بها تتعلق بعمليات محدودة تستهدف مواقع استراتيجية، وليس بعملية برية واسعة النطاق.
هذا التحرك يأتي بعد أسابيع من الضربات الجوية التي استهدفت مواقع عسكرية وبنى تحتية حساسة، ومع انتقال العمليات إلى مستوى يرتبط بإمكانية الوصول الميداني إلى مواقع استراتيجية، لأن السيطرة على منشأة نووية أو عقدة تصدير نفط أو نقطة تحكم بحركة الملاحة تترك أثرًا سياسيًا مباشرًا على مسار الحرب وعلى موقع التفاوض.
ويتركز التخطيط العسكري الأمريكي على أهداف ترتبط مباشرة بالاقتصاد الإيراني وبحركة الطاقة وبالبرنامج النووي، وهي أهداف لا تتعلق بالمساحة الجغرافية بقدر ما تتعلق بوظيفتها الاستراتيجية، وهو ما يعني أن الحرب هنا تُدار على أساس السيطرة على مفاصل القوة الاقتصادية والنووية التي تقوم عليها قدرة إيران على الصمود والتفاوض.
وتمثل جزيرة خرج عقدة التصدير الرئيسية للنفط الإيراني، وهي منشأة تحميل وتخزين أكثر منها جزيرة عسكرية، لذلك فإن أي حديث عن الوصول إليها يرتبط بطبيعة الهدف من العملية، وليس بفكرة التمركز الطويل فيها.
لهذا السبب، فإن السيناريوهات العسكرية المرتبطة بالجزيرة تدور حول عمليات سريعة تستهدف مرافق التحميل أو التخزين أو القدرة التشغيلية للجزيرة، لأن التأثير الحقيقي يرتبط بوقف قدرة التصدير من هذه النقطة، وليس بالسيطرة الجغرافية عليها.
وترتبط أهمية مضيق هرمز بوظيفته في سوق الطاقة العالمي، إذ يمر عبره جزء كبير من نفط الخليج المتجه إلى الأسواق العالمية، ما يجعل أي تهديد لحركة الملاحة فيه ينعكس بسرعة على أسعار النفط.
وعليه، فإن الوجود العسكري في محيط المضيق يُقاس بقدرته على التأثير في تدفق الطاقة، وهو ما يحوّل المضيق من ممر بحري إلى عقدة ضغط اقتصادي وسياسي في أي صراع يدور في الخليج.
المنشآت النووية الإيرانية، مثل نطنز وفوردو ومراكز التحويل في أصفهان، تقع ضمن أهداف الحرب الجارية، والتعامل مع هذه المواقع يختلف عن استهداف القواعد العسكرية أو مخازن الصواريخ.
وقد تعرضت بعض هذه المنشآت خلال الفترة الماضية لهجمات سيبرانية وضربات غير مباشرة أدت إلى تعطيل أجزاء من البرنامج، إلا أن هذه الضربات لم تؤد إلى إنهاء القدرات النووية، وهو ما يفسر الحديث عن سيناريوهات تتعلق بالوصول الميداني المباشر إلى هذه المواقع في حال تقرر رفع مستوى العمليات.
والمنطق السياسي خلف هذا النوع من العمليات يرتبط بالأهداف التي يمكن تحويلها إلى بنود تفاوض.
ولا تحتاج واشنطن إلى السيطرة الدائمة على أراضٍ داخل إيران، لكنها تحتاج إلى أوراق ضغط يمكن ترجمتها إلى شروط سياسية، مثل فرض قيود جديدة على التخصيب، أو توسيع نظام التفتيش على المنشآت النووية، أو إدخال البرنامج الصاروخي ضمن أي اتفاق قادم، أو فرض ترتيبات أمنية تتعلق بالملاحة في الخليج، لأن استعادة إيران لهذه المواقع أو قدرتها التشغيلية يمكن أن تصبح جزءًا من الصفقة السياسية نفسها.
في المقابل، فإن حسابات طهران في هذا النوع من تطورات الحرب يرتبط بقدرتها على تحمّل كلفة الضغط الاقتصادي وتعطّل الصادرات وتهديد البرنامج النووي.
لذلك فإن أي تسوية محتملة قد تدور حول معادلة تقوم على تخفيف العقوبات أو تجميد العمليات العسكرية مقابل قيود نووية أو ترتيبات إقليمية معينة.
التحركات العسكرية الأمريكية خلال الأسابيع الأخيرة تشير إلى نمط واضح في إدارة الحرب، حيث تستمر الضربات الجوية في الوقت الذي جرى فيه إرسال عناصر من الفرقة 82 المحمولة جوًا، بالتوازي مع تسريبات عن خطط تتعلق بأهداف محددة داخل إيران.
هذا التدرج في استخدام القوة يضع واشنطن في موقع يسمح لها بالانتقال من الضربات بعيدة المدى إلى عمليات ميدانية محدودة عند الحاجة، وهو ما يجعل الوجود البري أداة جاهزة للاستخدام في لحظة معينة من الصراع، عندما يرتبط الهدف بالوصول إلى موقع محدد على الأرض وفرض واقع ميداني جديد.
وتتابع الدول الأوروبية مسار العمليات من زاوية أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي، لأن أي اضطراب في مضيق هرمز ينعكس مباشرة على أسعار النفط وعلى كلفة الشحن والتأمين البحري، لذلك تميل العواصم الأوروبية، وخصوصًا باريس وبرلين، إلى دعم مسار يؤدي إلى احتواء العمليات ومنع انتقالها إلى مرحلة تهدد الملاحة في الخليج.
ومع اعتماد أوروبا بشكل متزايد على واردات الطاقة من الشرق الأوسط بعد الحرب في أوكرانيا، فإن أي اضطراب في الخليج يتحول إلى قضية أمن اقتصادي أوروبي، وهو ما يفسر التحركات الدبلوماسية الأوروبية المستمرة لدفع الأطراف نحو مسار تفاوضي يمنع توسع الصراع.
بهذا المعنى، يمكن فهم مسار العمليات بوصفه تدرجًا في الضغط، انطلاقًا من الضربات الجوية التي هدفت إلى إضعاف القدرات العسكرية ورفع كلفة الحرب، وصولًا إلى التهديد بعمليات برية محدودة لرفع مستوى الضغط إلى درجة أعلى، أما السيطرة الفعلية على عقدة استراتيجية فتشكل نقطة ضغط حاسمة. عند هذه المرحلة تحديدًا، تصبح الحرب أداة تفاوض، وتتحول السيطرة الميدانية إلى ورقة سياسية.
في ضوء ذلك، يمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة لنهاية هذه المرحلة من الحرب، فإما التوصل إلى صفقة سياسية تتعلق بالبرنامج النووي وأمن الملاحة والعقوبات ونشاطات أذرع إيران الإقليمية، أو التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت يجمّد الصراع من دون حله، أو انتقال الحرب إلى نمط استنزاف طويل منخفض الوتيرة يستمر فيه الضغط العسكري والاقتصادي من دون حسم.
وفي هذا السياق، لا يصبح الخيار البري المحدود مجرد احتمال عسكري، بقدر ما يُمثّل أداة ضغط سياسي تُستخدم لدفع طهران نحو طاولة التفاوض من موقع أضعف، لأن التلويح بالقدرة على السيطرة الميدانية على عقد استراتيجية مثل منشآت نووية أو ممرات تصدير نفط يضع أهم أوراق القوة الإيرانية تحت التهديد المباشر، وهو ما يمنح واشنطن ورقة تفاوضية ثقيلة حتى لو لم تُنفذ العملية فعليًا.