حذّرت صحيفة "التلغراف" من أزمة اقتصادية وشيكة تهدد استدامة قطاع التكنولوجيا الرقمية، مؤكدةً أن استمرار إغلاق مضيق هرمز تسبب بفقدان العالم نحو 40% من إمدادات غاز الهيليوم الضرورية للصناعات الدقيقة.
وبيّنت أن ذلك النقص الحاد تزامن مع توقف الشحنات القادمة من قطر وروسيا منذ اندلاع شرارة حرب إيران، إذ باتت الأسواق العالمية تترقب من كثب مدى قدرة الاقتصاد الرقمي على الصمود أمام هذه الخسائر الفادحة في الموارد الاستراتيجية.
وأشارت الصحيفة إلى أن قطاع الموصلات والرقائق الإلكترونية يواجه تحدياً مصيرياً يهدد طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية، إذ يتطلب إنتاج الرقائق المتقدمة كميات هائلة من الهيليوم فائق النقاء لتبريد "الويفر" وضمان استقرار البلازما اللازمة لعمليات النقش.
وأوضحت أن تأثير هذه الأزمة يمتد ليشمل قطاعات حيوية أخرى مثل الطاقة النووية وصناعة الأسلحة المتطورة، مؤكدة أن الشركات العالمية تتسابق حالياً للحصول على أي كميات متوفرة من هذا الغاز النادر لضمان استمرار خطوط إنتاجها الحيوية.
ونوهت الصحيفة إلى أنه نتيجة لذلك الأمر، برزت معضلة انعدام البدائل الطبيعية للهيليوم السائل، الذي يعد أبرد مادة معروفة على وجه البسيطة، لا سيما أنه يصعب تصنيع هذا الغاز مخبرياً أو تخزينه لفترات طويلة، مما يوضع القوى التكنولوجية الكبرى في مأزق لوجستي معقّد.
ودفع ذلك شركات التكنولوجيا الكبرى إلى احتكار الكميات المتاحة من الهيليوم عبر دفع أسعار خيالية تفوق قدرة المنافسين، لكنه سلوك رأسمالي يهدد بحرمان قطاعات خدمية واسعة من حصصها الضرورية، مثل مراكز الرعاية الطبية وأجهزة الرنين المغناطيسي.
بيد أن الخطر الأكبر يكمن في عملية "الفرز" التي تنتهجها مصانع الرقائق عبر تفضيل مشاريع الذكاء الاصطناعي على الصناعات التقليدية، وهو توجه تسبب بتقنين الحصص المخصصة لرقائق السيارات والأجهزة المنزلية، مما ينذر بأزمة توريد عالمية خانقة.
على الصعيد السياسي، أشار برلمانيون ألمان إلى أن غياب الحديث عن أزمة الهيليوم يعكس قصوراً في فهم مخاطر الحرب الحالية، معربين عن خشيتهم من تكرار سيناريو نقص الرقائق، الذي أصاب صناعة السيارات الأوروبية بالشلل إبان فترة الجائحة.
من ناحية أخرى، تسبب تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز باحتجاز مئات الحاويات المليئة بالغاز المسال وسط مياه الخليج، حيثُ تتعرض تلك الشحنات لعمليات تسرب مستمرة عبر صمامات الضغط نتيجة الارتفاع التدريجي في درجات حرارة الصهاريج العالقة.
وفي الوقت ذاته، ضاعف القرار الروسي بحظر تصدير الهيليوم خارج محيطها من حدة الأزمة التي تعصف بالأسواق الغربية، لا سيما أن الكرملين يهدف من هذه الخطوة إلى تأمين احتياجاته المحلية وصناعة الألياف البصرية، مما عمّق جراح سلاسل الإمداد العالمية.
بحسب الصحيفة، فإن الصين تعد المتضرر الأكبر من هذا الانقطاع المفاجئ لكونها تستورد معظم احتياجاتها من قطر وروسيا، ويتوقع خبراء اقتصاديون نفاد المخزونات الصينية خلال أسابيع قليلة، مما قد يؤدي لإغلاق كبرى مصانع الرقائق في البر الرئيسي.
وعلى الرغم من إنتاج الولايات المتحدة نحو 40% من الهيليوم العالمي، فإنها ليست بمعزل عن تداعيات الانهيار اللوجستي، إذ تعتمد واشنطن في تصنيع معظم رقائقها المتطورة على منشآت خارجية تقع في مناطق النزاع في الشرق الأقصى.
ولكن يبدو أن سلاسل التوريد العالمية دخلت مرحلة التشنج الفعلي مع تبعثر السفن التجارية في الموانئ غير المخصصة لها، وتفوق الأضرار الناجمة عن هذا الارتباك القيمة المادية للبضائع، لتصل إلى تهديد الاستقرار المالي العالمي في المدى المنظور.
ونتيجة لذلك، يرى مراقبون أن طول أمد الحرب سيفرض على الحكومات الغربية اتخاذ إجراءات طوارئ قاسية تشمل تقنين الاستهلاك، فيما قد تضطر الدول الليبرالية لمنع عمالقة التكنولوجيا من احتكار الغاز وتوجيهه نحو الأولويات العسكرية والطبية العاجلة.
في سياق متصل، اعترف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بامتلاك النظام الإيراني "سلاحاً نووياً اقتصادياً" يتمثل في إغلاق المضيق، مشيرًا إلى عدم وجود خطة واضحة لدى واشنطن لاستعادة التوازن التجاري أو حماية سلاسل إمداد الغاز النادر.
ويتجه المشهد نحو مواجهة اقتصادية شاملة قد تعيد رسم خريطة القوى التكنولوجية في العالم بناءً على امتلاك الموارد، وفقًا للصحيفة، التي رأت أن الرهان يبقى على قدرة الدبلوماسية الدولية في فتح الممرات الملاحية قبل حدوث انهيار تكنولوجي لا يمكن تداركه.
وأكدت أن أزمة الهيليوم تمثل جرس إنذار حقيقيًا حول هشاشة النظام الاقتصادي العالمي القائم على توريدات "الوقت المحدد"، فحرب إيران لم تعد مجرد صراع عسكري، بل تحوّلت إلى معركة وجودية في قلب الصناعة الرقمية.