فتحت الاحتجاجات في إيران، التي اندلعت في البداية رفضا للتدهور الاقتصادي، قبل أن تتسع رقعتها، وتتحوّل إلى مطالب واقعية تمس هرم النظام الممسك بالسلطة منذ 47 عاما، المجال لتخمينات حول المستقبل الذي ينتظر البلاد، والنتائج المتوقعة نتيجة الحراك الاحتجاجي الحالي.
وبحسب تقرير لصحيفة "التايمز"، فإن شوارع إيران التي امتلأت بالمتظاهرين الغاضبين من فساد الحكومة وقمعها وعدم كفاءتها، ورغم المخاطر الشخصية الكبيرة التي تنطوي عليها المظاهرات، إلا أنه يمكن استشراف بعض السيناريوهات لكيفية تطور الوضع:
يقول التقرير إن النظام الإيراني صمد في كل مرة ثار فيها الشعب ضده، وكان رده حتى الآن يتمثل في اتباع استراتيجية مجربة تتمثل في قطع الإنترنت والاتصالات، ثم إرسال الحرس الثوري وقوات الباسيج شبه العسكرية لتطويق التظاهرات.
ونقلت "التايمز" عن روب ماكير، السفير البريطاني السابق في إيران (بين عامي 2018 – 2021) قوله: "يجد النظام صعوبة بالغة في القيام بأي شيء سوى التمسك بموقفه والتشبث بسياسة قمعية. على عكس عام 1979، عندما لم يكن الشاه مستعدًا لاتباع نصيحة جنرالاته ونشر الجيش في الشوارع لقتل أكبر عدد ممكن من الناس، أعتقد أن هذا النظام سيفعل ذلك في نهاية المطاف".
وأضاف ماكير، "أن أقل الاحتمالات على المدى المتوسط، هو استمرار الوضع الراهن، الذي ندرك جميعاً أنه غير مستدام"، وفق تعبيره.
أما السيناريو الثاني للتعاطي مع الوضع الحالي فيتمثل في انقسام عميق داخل النظام الإيراني، وترى الصحيفة أن آية الله علي خامنئي (86 عاماً)، والذي يشغل منصب المرشد الأعلى لمدة 36 عاما، كان قد بدأ بالفعل عملية تحديد خليفة له عند وفاته، مما أدى إلى اندلاع منافسات داخل النظام نفسه.
وتقول "التايمز"، إنه من غير المرجح أن يتنحى خامنئي طواعيةً، إلا أن تقارير استخباراتية غربية، والرئيس ترامب، أشارت إلى احتمال فراره من البلاد في ظل تصاعد الاحتجاجات. وفي حال لجوء خامنئي إلى المنفى، فبإمكان النظام الاستمرار عبر تقديم زعيم جديد والادعاء بأنه قد أجرى إصلاحات.
وقال روجر ماكميلان، المدير السابق لقناة إيران الدولية الإخبارية التي تتخذ من لندن مقراً لها: "لقد عقد البعض مقارنات مع فنزويلا، لكن هذا غير حكيم. يمكن استبدال المرشد الأعلى. لديك الحرس الثوري الإيراني الذي كان موجوداً، وإذا تم عزله أو إقصاؤه أو القضاء عليه، سمّه ما شئت، فسيتم استبداله في وقت قصير نسبياً للحفاظ على النظام في السلطة".
ويكشف التقرير أنه لإسقاط النظام بالكامل، لا بد من ظهور تصدعات داخلية، ربما تبدأ بتردد قوات الباسيج أو رفضها تنفيذ الأوامر أو حتى اختفائها. وهذا من شأنه أن ينذر ببداية الخوف. لكن القمع سيستمر مع دخول وحدات إضافية من الحرس الثوري، لأن الأخير يستخدم الآن ولاءه على الأرض.
من النتائج الأخرى التي يخشاها معارضو النظام، تهميش التسلسل الهرمي الديني من قبل الحرس الثوري الإيراني، الأمر الذي يضع البلاد فعلياً تحت الحكم العسكري.
وتؤكد الصحيفة، أنه لطالما كان الحرس الثوري أفضل جنود النظام تدريباً وتجهيزاً، لكنهم يمتلكون أيضاً قاعدة نفوذ كبيرة، ولهم مصالح في الشركات ووسائل الإعلام.
وقال ماكميلان: "ما نشهده الآن هو اعتماد أكبر على الحرس الثوري الإيراني ووحداته النخبوية. فأفراده ملتزمون أيديولوجياً، لا يرحمون، لئيمون، أشرار، لكنهم بالطبع مستثمرون اقتصادياً وأيديولوجياً في الدولة. وبالطبع هم مكروهون بشدة من الداخل"، وفق ما نقلت عنه "التايمز".
نشر ترامب على تويتر أن الولايات المتحدة "مستعدة تماماً وجاهزة للانطلاق"، بعد أن هدد "بضرب إيران بقوة تؤلمها" إذا استمر النظام في قتل المتظاهرين. وقال ماكير، إن ترامب رفع آمالاً كبيرة بين المتظاهرين بخطابه عقب القبض المثير على نيكولاس مادورو في فنزويلا.
وأضاف: "ما لم تتخذ الولايات المتحدة إجراءً فعلياً، فهناك خطر أن يتحول الأمر إلى خيبة أمل ونهاية غير متوقعة. إذا شعر الناس أنهم شُجعوا على النزول إلى الشوارع، ثم لم يكن هناك سوى مجرد كلام، فسيكون ذلك صعباً عليهم".
وقال ماكير: "إذا كانت هناك ضربات عسكرية ضد أهداف أمنية للنظام، فأعتقد أننا سندخل مرحلة لا يمكن التنبؤ بها، ولكن قد لا تسير الأمور بالضرورة بالطريقة التي ترغب بها المصادر الخارجية".
مع دخول الاحتجاجات أسبوعها الثالث، ونظرا لتوسعها، لا يزال هناك احتمال لانهيار النظام الإيراني، إذ قد تفقد قوات الأمن شجاعتها في قتل مواطنيها، فتنسحب أو تساعد السكان، وفقا لـ"التايمز".
وقال ماكميلان: "إن الجيش الإيراني النظامي أكثر قومية وأكثر ميلاً إلى الحياد. ولم يصدر عنه سوى القليل من التعليقات في الأسابيع الأخيرة"، وتابع "كما أن هناك عناصر من الباسيج يعانون ضعفا اقتصاديا. إنهم ليسوا مدربين تدريباً جيداً. إنهم مجرد بلطجية، ومعظم هؤلاء البلطجية سيختفون عندما يتم التصدي لهم. هذا ما نراه يحدث الآن على الأرجح".
بالنسبة للسيناريو الأخير، فيتمثل في دعم خارجي لنجل شاه إيران السابق الذي فرّ عام 1979، والذي صرح بأنه "مستعد للعودة إلى إيران في أول فرصة ممكنة".
ويقول ماكميلان: "تسمع هتافات (يحيا الشاه) في جميع أنحاء الاحتجاجات، ليس فقط في الدول الأوروبية، بل في إيران أيضاً. لذا فقد كان شخصية موحدة. أعتقد أيضاً أن هذه هي المرة الأولى التي يقدم فيها شخصية خارجية الدعم والشجاعة للمتظاهرين على أرض الواقع، عندما يدركون وجود شخصية يمكنها أن تساعدهم على الانتقال إلى المرحلة التالية".
وقد يكون أحد سبل عودة بهلوي هو سيطرة معارضي النظام على مدينة إيرانية يشعر فيها بالأمان، مما يُنشئ قاعدة قوة بديلة. لكن من سيقاتل إلى جانبه إذا رفض الحرس الثوري نزع سلاحه؟ وقد حرص بهلوي على التعبير عن معارضته سياسة "اجتثاث البعث" التي انتهجتها الولايات المتحدة في العراق، وهي سياسة تفكيك الجيش وإقالة الموظفين المدنيين، الأمر الذي غذّى المعارضة، وأدى إلى تمرد دموي، وشجع في نهاية المطاف على نمو تنظيم داعش.
وأخيرا، تعهد بهلوي بأنه سيرأس حكومة انتقالية لتسهيل إجراء انتخابات ديمقراطية في غضون عامين.