logo
العالم

مكالمة لم تأتِ.. كيف أدى تجاهل مودي وترامب إلى عرقلة اتفاقية التجارة؟

مودي وترامبالمصدر: منصة إكس

لم يكن الخلاف حول الرسوم الجمركية أو التفاصيل الفنية هو ما أطاح باتفاقية التجارة المرتقبة بين الهند والولايات المتحدة، بل مكالمة هاتفية لم تُجرَ. 

هكذا لخّص وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك سبب انهيار مفاوضات وُصفت بأنها كانت "جاهزة تمامًا"، موضحًا أن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لم يتواصل شخصيًا مع الرئيس دونالد ترامب لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق.

هذا التصريح، الذي أُطلق خلال بودكاست "All-In"، كشف عن مدى تحوّل الدبلوماسية التجارية بين البلدين إلى رهينة للتواصل الشخصي بين القادة، في مشهد يعكس هشاشة متزايدة في آليات صنع القرار الاقتصادي بين أكبر ديمقراطية في العالم وأقوى اقتصاد عالمي، وفق مجلة "moderndiplomacy".

سلاح الرسوم الجمركية

انهيار المفاوضات لم يمرّ دون ثمن، فبعد تعثّر الاتفاق العام الماضي، لجأ ترامب إلى مضاعفة الرسوم الجمركية على البضائع الهندية لتصل إلى 50% في أغسطس/ آب، وهي أعلى نسبة تفرضها واشنطن على أي شريك تجاري. 

أخبار ذات علاقة

مفاعل نووي هندي

المفاعلات النووية الصغيرة.. سلاح الهند لتطوير صناعتها وبرنامجها الفضائي

ولم تكن هذه الخطوة اقتصادية بحتة، بل حملت أبعادًا سياسية واضحة، إذ فُرضت رسوم بنسبة 25% مرتبطة صراحة باستمرار الهند في شراء النفط الروسي.

أكد هذا الربط بين التجارة والجيوسياسة مجددًا نهج إدارة ترامب في استخدام الرسوم الجمركية كأداة ضغط سياسي. 

ومع تجديد التهديد هذا الأسبوع برفع الرسوم أكثر إذا لم تقلّص نيودلهي وارداتها من النفط الروسي، شهدت الأسواق حالة من الاضطراب، وانخفضت الروبية الهندية إلى مستوى قياسي، ما أظهر التأثير الفوري للسياسة التجارية الأمريكية على الاقتصاد الهندي.

ورغم أن وكالة رويترز كانت قد أفادت سابقًا بأن الطرفين باتا قريبين جدًا من التوصل إلى اتفاق، فإن خللًا في التواصل السياسي على أعلى مستوى كان كافيًا لإسقاط ما بُني خلال أشهر من التفاوض الفني.

حسابات مودي

في المقابل، التزمت وزارة التجارة الهندية الصمت، رافضة التعليق على تصريحات لوتنيك. 

غير أن مصادر مطلعة كشفت أن مودي تردد في الاتصال بترامب خشية أن تُفسَّر المكالمة على أنها تنازل سياسي أو تفاوض غير متكافئ، خاصة في ظل الضغوط الأمريكية العلنية بشأن النفط الروسي.

أخبار ذات علاقة

الرئيس الصيني شي ورئيس الوزراء الهندي مودي.

الصين تدعو الهند لتحمل أعباء التنافس التجاري

يعكس هذا التباين اختلافًا جوهريًا في الأسلوب الدبلوماسي، فترامب يُفضّل الصفقات الشخصية المباشرة بين القادة، ويرى في التواصل الفردي أداة حاسمة لحسم الملفات المعقدة.

أما حكومة مودي، فتعتمد مقاربة أكثر حذرًا، تحاول من خلالها تجنب الظهور بمظهر الطرف الخاضع للضغوط، والحفاظ على هامش من الاستقلالية الاستراتيجية.

ورغم ذلك، لا تخفي الهند رغبتها في التوصل إلى اتفاق تجاري يمنحها وضعًا تفضيليًا قريبًا مما حصلت عليه بريطانيا أو فيتنام، إلا أن تلك الشروط، بحسب لوتنيك، لم تعد مطروحة بعد انتهاء صلاحيتها السياسية.

تكشف هذه الأزمة عن تحوّل مقلق في طبيعة العلاقات الدولية، حيث لم تعد المؤسسات والآليات البيروقراطية كافية لضمان استمرارية الاتفاقات، بل باتت العلاقات الشخصية بين القادة عاملًا حاسمًا. 

في هذه الحالة، أدى غياب مكالمة هاتفية واحدة إلى فرض تعريفات عقابية، وتقلبات في الأسواق، وضغوط اقتصادية مباشرة.

أخبار ذات علاقة

لين جيان

"تشويه متعمد" .. بكين تتهم واشنطن بعرقلة تحسن علاقاتها مع الهند

الانجرار إلى التفاوض

بالنسبة للهند، يعكس هذا المشهد قلقًا عميقًا من الانجرار إلى تفاوض يُنظر إليه داخليًا على أنه خضوع لإملاءات خارجية، أما بالنسبة للولايات المتحدة، فيؤكد استمرار توظيف التجارة كوسيلة لتحقيق أهداف جيوسياسية تتجاوز الحسابات الاقتصادية البحتة.

في المحصلة، تُظهر أزمة الاتفاقية الهندية–الأمريكية أن الدبلوماسية القائمة على الأشخاص، لا المؤسسات، تجعل السياسات عرضة للتعطيل بسبب سوء تقدير أو صمت محسوب. 

وما لم يُعَد التوازن بين البراغماتية السياسية وقواعد التفاوض التقليدية، فقد تستمر كلفة "المكالمات التي لم تأتِ" في تجاوز أي مكاسب محتملة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC