logo
العالم
خاص

لا قرار مركزيا.. 3 تيارات تتصارع داخل طهران لمواجهة الحرب القادمة

خامنئي وبزشكيانالمصدر: إكس

في كل مرة ترتفع فيها نبرة التهديد من واشنطن، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: كيف سترد إيران؟ لكن هذا السؤال، وفق مقاربات مراكز أبحاث وخبراء في الشأن الإيراني، لم يعد يُختصر بردّ واحد أو قرار مركزي صلب، بقدر ما بات نتاج توازنات داخلية دقيقة بين مؤسسات لكلّ منها تصور مختلف لمعنى الحرب وكلفتها وتوقيتها.

ومع تصاعد لهجة دونالد ترامب أخيرًا، تبدو هذه التوازنات تحت ضغط غير مسبوق.

اللافت، بحسب تقارير غربية، أن الصمت الإيراني الحالي لا يعكس بالضرورة إجماعا داخليا، بل إدارة حذرة لاختلافات حقيقية في المقاربة. اختلافات لا تظهر في الإعلام الرسمي، لكنها تنعكس بوضوح في السلوك، وتباطؤ القرار، وتعدد الرسائل الصادرة من طهران. 

أخبار ذات علاقة

مشهد من الاحتجاجات في طهران

انشقاقات وسقوط مقرات عسكرية وأمنية.. هل اقترب النظام الإيراني من الانهيار؟

الحرس الثوري.. الردع أولا

ترى مراكز دراسات أمنية، من بينها تقارير صادرة عن معهد واشنطن للدراسات، المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، أن الحرس الثوري الإيراني ينظر إلى أي مواجهة محتملة من زاوية الردع والهيبة. فبالنسبة لهذه المؤسسة، فإن أي ضربة كبيرة تتعرض لها إيران من دون ردّ مؤلم ومُعلن تعني عمليا تآكل معادلة الردع التي بُنيت خلال العقدين الماضيين.

لكن هذا لا يعني، وفق هذه التقديرات، أن الحرس يدفع باتجاه ردّ فوري أو مواجهة مباشرة. فالنقاش داخل دوائره لا يدور حول "هل نرد؟" بل حول "متى وكيف؟". وتشير تحليلات غربية إلى أن الحرس بات أكثر ميلا لاعتماد ردود متعددة الطبقات؛ من قبيل عمليات غير مباشرة، وضغط عبر الوكلاء، وتشويش اقتصادي وأمني طويل النفس، بدل ضربة واحدة كبيرة قد تفتح باب حرب شاملة.

هذا المنطق يفسر، بحسب خبراء، الجاهزية العملياتية العالية التي تُرصد دون أن تُفعّل، والإصرار على إبقاء لغة "القدرة" حاضرة في الخطاب العسكري، مقابل ضبط الإيقاع السياسي العام.

الحكومة.. الاقتصاد وحدود الاحتمال

على الضفة الأخرى، تُظهر دراسات اقتصادية صادرة عن مراكز مثل (Atlantic Council) و(CSIS) أن الحكومة الإيرانية تنظر إلى سيناريو الحرب من زاوية مختلفة تماما. فالأولوية هنا ليست الردع العسكري، بل البقاء الاقتصادي وتجنب صدمة قد تكون غير قابلة للاحتواء.

وتشير هذه الدراسات إلى أن إيران، رغم قدرتها على امتصاص عقوبات وضغوط طويلة الأمد، باتت أكثر هشاشة أمام حرب مباشرة تطال بنيتها التحتية أو صادراتها النفطية. لذلك تركز الحكومة على تأمين مسارات بيع نفط بديلة، وحماية العملة، ومنع تشكّل إجماع دولي جديد قد يُستخدم لتبرير ضربات أوسع.

ويرى خبراء أن هذا التوجه لا يعني معارضة مبدئية للرد، بل تخوفا واضحا من نتائجه. فالحكومة، وفق هذه القراءة، تخشى أن تتحول الحرب من أداة ضغط سياسية إلى أزمة داخلية تهدد الاستقرار الاجتماعي، في ظل شارع متعب أصلا من التضخم والعقوبات. 

أخبار ذات علاقة

مقاتلات أمريكية

تحركات وإشارات غامضة تنذر باقتراب "ساعة الصفر" الأمريكية في إيران

المؤسسة الدينية.. سؤال الشارع والشرعية

أما الدائرة الثالثة، والأقل ظهورا في التحليلات الإعلامية، فهي تلك المرتبطة بالمؤسسة الدينية والأمن الداخلي. تقارير بحثية أوروبية تشير إلى أن هذه الدائرة تراقب المزاج الشعبي بدقة، وتتعامل مع الحرب المحتملة بوصفها تحديا للشرعية والاستقرار لا مجرد معركة عسكرية.

تلفت هذه التقارير إلى غياب التعبئة الدينية الواسعة التي رافقت مراحل سابقة من التوتر، وإلى اعتماد خطاب رسمي أقل حماسة وأكثر تركيزا على مفردات الصبر والاستقرار. ويرى باحثون أن هذا يعكس إدراكا بأن المجتمع الإيراني اليوم ليس في المزاج نفسه الذي كان عليه قبل عقد أو عقدين، وأن أي حرب طويلة قد تفتح الباب أمام احتجاجات يصعب ضبطها.

هذه الدائرة لا تصنع القرار العسكري، لكنها، بحسب الخبراء، تضع له سقفا واضحا، وتدفع باتجاه تجنب خطوات قد تخلط بين الضغط الخارجي والانفجار الداخلي.

ووفقا للخبراء، لا يظهر هذا التباين في المقاربات بين مراكز القرار الإيرانية في مؤتمرات صحفية أو بيانات رسمية، بل في مؤشرات أدق، من بينها تأخير القرار رغم الجاهزية، تعدد قنوات الرسائل الإيرانية بين العسكري والدبلوماسي، واختلاف تعريف "النصر" بين مؤسسة وأخرى. فبينما يراه الحرس في استعادة الردع، تراه الحكومة في تجنب الانهيار، وتراه المؤسسة الدينية في الحفاظ على الشارع تحت السيطرة.

وتلخّص إحدى الدراسات هذا الواقع بعبارة لافتة: "الجميع يستعد للحرب، لكن كل طرف يستعد لحرب مختلفة".

ترامب.. عامل ضغط خارجي

في هذا السياق، يرى محللون أن تصعيد ترامب لا يضغط على إيران عسكريا فقط، بل يضع توازنها الداخلي أمام اختبار صعب. فخطاب التهديد يعزز موقع دعاة الردع داخل الحرس، ويزيد قلق الحكومة اقتصاديا، ويضع المؤسسة الدينية أمام سؤال الشرعية الشعبية في حال الانزلاق إلى مواجهة واسعة.

وتشير قراءات سياسية إلى أن ترامب، سواء كان يسعى إلى حرب فعلية أو يستخدم التصعيد كورقة تفاوض، يدفع السلطات الإيرانية إلى إدارة أزمة قرار داخلية معقدة، وهذه الأزمة لا تُحل بإطلاق صاروخ أو بإصدار بيان، بل بإعادة وزن المصالح والكلف بين مؤسسات اعتادت العمل تحت سقف واحد، لكنها تواجه اليوم سيناريو غير مسبوق. 

أخبار ذات علاقة

قاذفات الشبح الأمريكية

"الجيش الأمريكي يدرس الأمر".. ترامب يلوح برد "قوي للغاية" ضد إيران

في المحصلة، تبدو إيران في لحظة مفصلية؛ حرب محتملة تُدار حساباتها في الداخل بقدر ما تُدفع من الخارج.

وبين تصعيد ترامب وتعدد المقاربات داخل طهران، يبقى القرار معلقا، لا لأن إيران عاجزة عن الرد، بل لأن السؤال الأهم بات: أي ردّ هو الذي يخدم بقاء النظام أكثر من استعراض القوة؟

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC