ماكرون: أوروبا مستعدة لإظهار قوتها وهذا هو الوقت لذلك
في عالم السياسة الفرنسية، حيث الأضواء سمة الصاعدين، نجح رجل هادئ يرتدي سترة صوفية بسيطة في الوصول إلى قمة السلطة دون ضجيج.
وهنا يجري الحديث عن سيباستيان ليكورنو، رئيس الوزراء الفرنسي الحالي، الذي صعد من مستشار إقليمي مغمور في إقليم "أور" إلى منصب رئاسة الحكومة بفضل وصفة فريدة: ولاء مطلق للرئيس إيمانويل ماكرون، وعلاقة استثنائية مع زوجته بريجيت ماكرون، وصمت استراتيجي جعله بعيدًا عن سهام النقد.
منذ دخوله الحكومة عام 2017 في حقائب رئيس الوزراء الأسبق إدوار فيليب، فهم ليكورنو قاعدة ذهبية: "الوزير له ناخب واحد فقط: الرئيس"، وعلى عكس زملائه الذين تنافسوا على الظهور الإعلامي، اختار الصمت والعمل من وراء الكواليس.
في وزارة البيئة، ورغم عدم إلمامه بالملف، أثبت أنه "الوزير الأكثر صلابة في هذا البيت المجنون"، بحسب أحد مساعدي وزير البيئة السابق نيكولا هولو، حيث تعامل ببراعة مع أزمات حساسة، من إغلاق محطة فيسنهايم النووية إلى قضية مطار نوتردام-دي-لاند.
لكن سر نجاحه الحقيقي يكمن في فهمه العميق لنفسية ماكرون، فقد اكتشف أن الرئيس لا يحتمل الجدال أو المعارضة العلنية، فحرص على مضاعفة اللقاءات الثنائية والأحاديث الجانبية الهادئة بعد اجتماعات مجلس الوزراء، ويتذكر أحد الوزراء السابقين: "كان يحرص على عدم إبداء رأيه في الاجتماعات، لكنه يقضي وقته في المجاملات بعد انتهائها، وهذا يزعج الأصدقاء بالتأكيد".
إذا كان الطريق إلى قلب الرئيس يمر عبر العمل والإخلاص، فإن الطريق الأسرع يمر عبر بريجيت ماكرون، فقد نجح ليكورنو، حيث فشل كثيرون، في كسب قلب السيدة الأولى، يقول أحد أصدقائهما المشتركين: "بينهما علاقة قوية جدًا، بريجيت تعشقه حقًا".
كان الوزراء يشهدون مرارًا مشهدًا غير مألوف: ليكورنو وبريجيت يتناولان الغداء معًا على شرفة "جناح السيدة" في قصر الإليزيه، يضحكها بنوادره، ويرسل لها الزهور، وينظم لها الغداءات الريفية في حدائق جيفرني، والعشاءات الثلاثية مع كارلا بروني.
حين عُيّن رئيسًا للوزراء في أكتوبر الماضي، كانت بريجيت من أكثر المبتهجين، مصرّحة للصحفي ستيفان بيرن: "سيباستيان صلب، لحسن الحظ أنه موجود، حان الوقت لإعادة النظام إلى كل هذا".
يثير ظهور ليكورنو الدائم بسترة صوفية بسيطة، بدرجات الرمادي والأزرق الداكن، تعليقات ساخرة من زملائه، وحين نبّهه أحد الوزراء السابقين، أجاب بابتسامة ماكرة: "إنها تقيني من نزلات البرد".
لكن الحقيقة أن ليكورنو يدرك تمامًا القيمة الرمزية لمظهره المتواضع، وحتى استطلاعات الرأي أكدت أن "استعدادك للتنكر للذهاب إلى الأسواق" يلقى استحسانًا شعبيًا.
يقول غابرييل أتال، رئيس الوزراء السابق: "إنه قوي بمظهر الرجل الذي لا يُمس"، فبينما مرّت موضة البريق الماكروني، جسّد ليكورنو التواضع، وبينما ملّ الفرنسيون الثرثرة السياسية، حدّ من ظهوره الإعلامي، من يتذكر له تصريحات علنية خلال أزمة إصلاح المعاشات أو حركة السترات الصفراء؟ كان الصمت درعه، ووسيلته لتجنب غضب الرأي العام.
رغم مظهره الزاهد، يملك ليكورنو طموحًا جامحًا، ففي عام 2022، أنذر ماكرون: وزارة الدفاع أو لا شيء. وبعد نجاحه في تمرير ميزانية 2026، هتف في جلسة خاصة: "لقد خدعناهم جيدًا"، لكنه حين سُئل عن الترشح للرئاسة، نفى بهدوء: "آمل الصمود حتى الانتخابات الرئاسية، وإن أمكنني العودة يومًا إلى الدفاع".
يعلّق أحد الماكرونيين: "لديه شهية للسلطة الحقيقية"، لكن ليكورنو يعرف أن السباق الرئاسي يتطلب نرجسية وأضواء، وهو ما قد لا يناسب رجلًا بنى مجده على الظل، والسؤال المفتوح: هل سيستطيع الخروج من ظل معلمه لينافس على كرسي الإليزيه؟