يسابق الجيش الأمريكي الزمن لإحداث تحول جذري في عقيدته القتالية، عبر الدفع بالأنظمة الذاتية والروبوتية إلى قلب العمليات الميدانية وصدارة المواجهات.
وتستهدف هذه الاستراتيجية الطموحة "رقمنة" الخطوط الأمامية لتقليص النزيف البشري إلى أدنى مستوياته، من خلال استبدال العنصر البشري بآلات قتالية في البيئات الأكثر خطورة، بما يضمن الحفاظ على الأرواح وتحقيق الهيمنة التكنولوجية المطلقة في ساحات حروب المستقبل المعقدة.
وكشف كبير مسؤولي التكنولوجيا في الجيش الأمريكي، أليكس ميلر، في مقابلة بودكاست "Threat Status" نقلتها صحيفة "واشنطن تايمز"، أن التوجه الجديد لا يكتفي بتزويد الجنود بمعدات متطورة، بل يعيد تصميم المهام العسكرية بحيث تتقدم الأنظمة الذكية القابلة للاستبدال، مثل الطائرات المسيّرة والروبوتات الأرضية، لتكون هي أول من يقتحم البيئات الأكثر خطورة قبل تحرك القوات البشرية، وذلك بهدف تقليص الخسائر في الأرواح وضمان التفوق الميداني.
وترتكز الاستراتيجية على دمج الطائرات المسيّرة والأنظمة الأرضية غير المأهولة في مهام محورية، تشمل فتح الثغرات في الحواجز، وإعادة إمداد الوحدات تحت النيران، وإجلاء الجرحى من الخطوط الأمامية.
ويصف مسؤولون هذا التوجه بأنه تحول هيكلي في فلسفة القتال، إذ باتت أنظمة الاتصالات والاستخبارات والمناورة تُصمَّم مع دمج الذكاء الاصطناعي والبرمجيات في بنيتها الأساسية.
وتُعدّ عمليات فتح الثغرات، التي تتطلب إزالة ألغام وأسلاك شائكة وسواتر ترابية، من أكثر المهام خطورة. ومنذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، يعتمد الجيش على نظام "شحنة خط إزالة الألغام" (MICLIC)، وهو كابل معدني محمّل بمواد متفجرة يُطلق لفتح ممر آمن. ورغم فعاليته، فإنه يعرّض الجنود لموجات الانفجار ونيران العدو.
وفي تجربة حديثة، اختبر الجيش نهجاً محدثاً يدمج الأنظمة الذاتية في هذه العملية. فقد سحبت مركبة أرضية غير مأهولة من طراز (Ripsaw M5) مقطورة تحمل شحنة إزالة الألغام نحو الهدف، بينما حلّقت طائرة رباعية المراوح فوق الموقع لنشر الدخان وحجب الرؤية. وتم تفجير الشحنة وفتح الممر من دون وجود جندي داخل المركبة أو في محيط الانفجار.
ووُصف هذا النموذج بأنه تشكيل "متكامل بين الإنسان والآلة"، في إشارة إلى انتقال الجيش من مرحلة الاختبار إلى الدمج العملياتي الفعلي.
ويقول مسؤولو الجيش إن التحول لا يقتصر على ساحة المعركة، بل يشمل آليات التطوير والشراء. فبدلاً من دورات اقتناء تمتد لسنوات، يتحدث ميلر عن "دورات أسبوعية" أقرب إلى نموذج شركات التكنولوجيا.
وخلال تدريب حديث في صحراء كاليفورنيا، استخدمت وحدات من الفرقة الأولى للفرسان الطائرات المسيّرة بطرق تكتيكية جديدة، وتمكنت من طباعة هياكل بديلة للمسيّرات ميدانياً عند تعرضها للتلف، وهو تغيير جذري مقارنة بالإجراءات السابقة التي كانت تتطلب تقارير رسمية وسلسلة موافقات للحصول على بدائل.
كما يعمل الجيش على تحديث الأنظمة القديمة عبر تحميل برمجيات جديدة على حواسيب مركبات صُممت قبل عقود، وإضافة أجهزة اتصال حديثة، وإعادة هيكلة شبكات كانت تعتمد على تقنيات متقادمة.
ويرى مسؤولون أن إصلاحات في آليات الشراء الدفاعي ساهمت في تسريع هذه العملية، ما أتاح مرونة أكبر في تبنّي الابتكارات.
وتشير مصادر صناعية ودفاعية إلى أن الاختبارات تجري حالياً في عدد من التشكيلات، بينها الفرقة 82 المحمولة جواً، والفرقة 25 للمشاة، والفرقة الرابعة للمشاة، ولواء المهندسين 36.
ويخضع الجنود في مختلف الولايات لاختبار أنظمة جديدة في بيئات تدريبية تحاكي ظروف القتال الفعلية، مع اعتماد نماذج تطوير سريعة تُقاس بالأسابيع لا بالسنوات.
ويتمثل الهدف الاستراتيجي في الحفاظ على التفوق التكنولوجي الأمريكي مع تقليص تعرض الأفراد للمخاطر في البيئات عالية التهديد. فالأنظمة الذاتية مُصممة لتكون خط التماس الأول، تتولى الاستطلاع وفتح الثغرات وأداء المهام الأخطر قبل تقدم القوات البشرية.
وقال ميلر، إن الجيش لم يعد يضع الجنود في الخط الأول، بل يستبدل المخاطر البشرية بالأنظمة المعدنية.
ويعكس هذا التوجه إعادة معايرة لمعادلة المخاطر في ساحة المعركة، بحيث تتحمل الآلات العبء الأولي في المواجهات، فيما يبقى القرار البشري في صلب العمليات.
وفي ظل تسارع التطور التكنولوجي وتزايد تعقيد بيئات الصراع، يبدو أن الجيش الأمريكي يراهن على نموذج قتال يقوم على تكامل الإنسان والآلة، مع تقدم الآلة إلى الأمام.