يشهد مضيق هرمز واحدة من أخطر لحظاته منذ عقود، مع تصاعد المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران وتحوله مجددًا إلى بؤرة اختبار حقيقية لقدرة واشنطن على فرض سيطرتها على الممرات البحرية العالمية.
وبحسب صحيفة "أوراسيا ريفيو" فإن الأزمة الحالية لا تقتصر على كونها مواجهة إقليمية، بل تمتد تداعياتها إلى بنية النظام الدولي، خاصة في ظل تذبذب الالتزام الأمريكي وتأثير ذلك على قوى كبرى مثل الصين وحلفاء الولايات المتحدة.
وفي الأيام الماضية، تصاعدت حدة التوتر بشكل غير مسبوق، مع تسجيل عمليات متبادلة للاستيلاء على السفن قرب المضيق، ما أعاد الممر الحيوي إلى قلب المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران.
ففي وقت كثّفت فيه الولايات المتحدة إجراءاتها البحرية ووسّعت نطاق الحصار، ردت إيران بخطوات مماثلة، الأمر الذي قوّض عمليًا التصريحات الأمريكية السابقة بشأن بقاء المضيق "مفتوحًا للتجارة".
ورغم أسابيع من العمليات العسكرية والضغوط المتبادلة، لم يتمكن أي طرف من حسم المواجهة أو فرض واقع ميداني جديد، ما أدى إلى حالة جمود استراتيجي انعكست مباشرة على حركة الملاحة العالمية.
ويُعد مضيق هرمز شريانًا رئيسيًا للطاقة، إذ يمر عبره نحو ربع النفط المنقول بحرًا عالميًا، إلى جانب نسبة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير فوري على الأسواق العالمية.
في هذا السياق، لم تعد التهديدات العسكرية وحدها هي العامل الحاسم، إذ أسهمت عوامل مثل ارتفاع تكاليف التأمين والتضارب في التصريحات السياسية في تعميق حالة عدم اليقين، ما أدى إلى تراجع حركة الشحن رغم محاولات احتوائها عبر آليات دعم وتأمين دولية.
ورغم ردود الفعل الأولية الحادة في الأسواق، فإن التكيف التدريجي مع الأزمة يعكس تحولًا في طريقة تعامل الاقتصاد العالمي مع المخاطر الجيوسياسية.
وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان ما عُرف بـ"حرب الناقلات" في الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، حين اضطلعت الولايات المتحدة بدور الضامن المباشر لحماية الملاحة عبر مرافقة السفن وفرض مظلة أمنية واسعة.
غير أن المشهد الحالي يبدو أكثر تعقيدًا، في ظل تغير طبيعة التهديدات العسكرية وظهور أدوات منخفضة التكلفة مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، ما يقلّص من فاعلية التفوق العسكري التقليدي.
كما تعكس الأزمة تحوّلًا في النهج الأمريكي تجاه أمن الممرات البحرية، إذ لم يعد الهدف ضمان الاستقرار المطلق بقدر ما أصبح إدارة المخاطر والتكيف معها، خاصة في ظل تراجع اعتماد الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط وارتفاع إنتاجها المحلي.
هذا التحول يفتح الباب أمام نماذج جديدة للأمن البحري، قد تقوم على النفوذ الانتقائي بدل الهيمنة الشاملة.
في المقابل، تكشف الأزمة عن هشاشة الإطار القانوني الدولي المنظم للملاحة، في ظل غياب توافق بين القوى الكبرى حول قواعده، واعتماد كل طرف على تفسيرات خاصة لحقوقه في الممرات المائية.
ويزيد ذلك من صعوبة احتواء الأزمات، ويدفع نحو بيئة أكثر فوضوية في إدارة الممرات الحيوية.
ولا يمكن فصل ما يحدث في هرمز عن ضغوط أوسع يتعرض لها النظام البحري العالمي، بدءًا من اضطرابات البحر الأحمر وهجمات الحوثيين، مرورًا بعودة القرصنة قبالة السواحل الصومالية، وصولًا إلى تداعيات الحرب في البحر الأسود والتنافس المتصاعد على المواني والبنية التحتية البحرية حول العالم.
كل ذلك يعكس تراجعًا تدريجيًا في فعالية منظومة الأمن البحري التي تشكلت تحت الهيمنة الأمريكية.
في هذا الإطار، تبرز المنافسة مع الصين كعامل رئيس في إعادة تشكيل خريطة النفوذ البحري، خاصة مع توسع بكين في الاستثمار بالمواني وسلاسل الإمداد العالمية، مقابل محاولات أمريكية لإعادة ضبط هذا التوازن.
إلا أن هذا الصراع يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل من الصعب الوصول إلى نظام مستقر يضمن حرية الملاحة بشكل متوازن.
في المحصلة، لا تبدو أزمة مضيق هرمز مجرد تكرار لسيناريو الثمانينيات، بل تمثّل مؤشرًا على مرحلة انتقالية في النظام البحري العالمي.
فبين تراجع الهيمنة التقليدية وغياب بديل واضح، يتجه العالم نحو نموذج أكثر تجزئة وتنافسًا، بحيث تصبح الممرات البحرية نقاط صراع مفتوحة، وتزداد كلفة التجارة العالمية ومخاطرها.
ومع غياب حل سريع أو إطار دولي جامع، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع العالم التكيف مع نظام بحري أقل استقرارًا، أم أن أزمة هرمز ستكون بداية لتحول أعمق في قواعد اللعبة الجيوسياسية؟