يواجه البيت الأبيض ضغوطاً سياسية واقتصادية متزايدة مع دخول المواجهة مع إيران مرحلة الغموض التفاوضي.
يأتي ذلك عقب تصريحات الرئيس دونالد ترامب التي أكد فيها امتلاكه 'الوقت الكافي' لاتخاذ قراراته، وعدم "استعجاله لإنهاء الحرب".
هذا التوجه فجّر موجة من الانتقادات داخل أروقة الكونغرس، حيث يرى الديمقراطيون أن البلاد لم تعد تحتمل استنزاف الوقت، في حين تتعثر جهود الوساطة الباكستانية وتبرز أزمة إغلاق مضيق هرمز كعائق جديد أمام أي اتفاق محتمل، مما يضع استراتيجية الإدارة الأمريكية تحت مجهر التشكيك المحلي والدولي.
فتصريح ترامب بقدر ما أثار الكثير من الأسئلة حول حقيقة خطة الإدارة للتعامل مع تطورات الأزمة في الشرق الأوسط، أثار تساؤلات أيضاً عن ماهية الاستراتيجية التي تتبعها الإدارة للخروج من هذه الحرب، وهل هناك جدول زمني محدد للتعامل مع تطوراتها في الشقين العسكري والسياسي، وكذلك الاقتصادي؟ باعتبار أن هذا التفصيل هو ما بات يشغل الأمريكيين في الداخل، والحلفاء الأوروبيين والآسيويين في الخارج.
ترامب، ومن وجهة نظر مؤيديه، أراد بهذا التصريح رفع الضغوط الإعلامية والسياسية التي تحاصر إدارته على مدار الساعة في العاصمة واشنطن، والتي جعلت من سوء أداء إدارته في التعامل مع تطورات الحرب مركز الأحاديث الإعلامية والسياسية في الكونغرس.
وتحولت الحرب في إيران ليس فقط إلى مركز أحاديث الأمريكيين وعلى مدار الساعة، ولكنها تحولت إلى مركز الحياة اليومية بالتحذير من انعكاساتها المباشرة على القدرات المالية للأمريكيين في المرحلة المقبلة، خاصة مع اتساع رقعة الشكوك حول وجود طريق آمن لإنهاء هذه الحرب، وعودة القوات الأمريكية إلى مواقعها، وكذلك عودة أسواق الطاقة العالمية إلى وضعها الطبيعي، وبالتالي استقرار أسعار الوقود في محطات البنزين عند معدلاتها التي كانت عليها في مرحلة ما قبل الحرب.
مؤيدو ترامب: دعوا الدبلوماسية تأخذ فرصتها
هذه الرؤية التي يقول بها الجناح المؤيد للرئيس ترامب، يوضح بشأنها أن الخيار المفضل في الوقت الحاضر هو رهان الإدارة على المسار التفاوضي؛ وهذا مسار اتضح أنه لا يمكن أن يحقق أهدافه من خلال المهل المحددة زمنياً؛ لأن الأمر يتعلق بعملية سياسية تشارك فيها أطراف كثيرة، إضافة إلى طبيعة الملفات المعقدة التي يبحثها الطرفان الأمريكي والإيراني، وبالشراكة مع الوسيط الباكستاني في المفاوضات.
وعلى العكس من الرؤية التي يقول بها المؤيدون لترامب، يقول القادة الديمقراطيون، إن البلاد مستعجلة وبصورة غير مسبوقة لإنهاء هذه الحرب بجميع صورها.
وتقول العضوة الديمقراطية البارزة في مجلس الشيوخ "إليزابيث وارنر"، إن زملاءها الشيوخ الجمهوريين باتوا يشعرون بالحرج في النقاشات الداخلية في مبنى الكابيتول؛ لأنهم لا يستطيعون الدفاع عن رؤية الإدارة في هذه الحرب، كما أنهم أصبحوا عاجزين عن الترويج لخطة إنهاء الحرب وتحقيق أهدافها التي لم تعد معروفة لدى الجمهوريين قبل غيرهم من الأمريكيين.
وترى السيناتور الديمقراطية أن على الأعضاء الجمهوريين في مجلس الشيوخ الانضمام إلى مساعي الديمقراطيين للعمل متحدين لإجبار الرئيس ترامب، من خلال الكونغرس، على إنهاء هذه الحرب.
من جانبهم يعتقد النواب والشيوخ الديمقراطيون أن الإدارة بصدد مواجهة مأزق عسكري وسياسي في المرحلة الحالية من حرب إيران؛ ذلك لأن العودة إلى استئناف العمليات العسكرية بالصورة التي باتت عليها الأوضاع الآن ستكون أمراً معقداً طالما أن هناك مسارات تفاوضية تتحرك، لكن المشكلة أن هذا المسار لا يتحرك بالصورة التي تريدها الولايات المتحدة، خاصة بعد تعثر الجولة الأخيرة من المفاوضات واستمرار حالة الغموض في إمكانية انعقادها في حدود نهاية الأسبوع الحالية، كما توقع ترامب ذلك في وقت سابق من الأسبوع المنقضي.
ويقول زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر إن هذه الإدارة لديها المال للإنفاق في جميع الاتجاهات، سواء على الحرب في إيران أو مضاعفة ميزانية وزارة الأمن الداخلي ووكالة الهجرة، لكنها تحجب الأموال عن جميع المبادرات التي تخفف أعباء الحياة على الأمريكيين، سواء من خلال برامج رعاية الأطفال أو برامج الرعاية الصحية.
مساعٍ في الكونغرس لفتح نقاش علني حول حرب إيران
ما يشدد عليه الديمقراطيون هو الحاجة الماسة لفتح نقاش على مستوى الكونغرس بين المشرعين والإدارة في جلسات علنية، للحديث عن أهداف هذه الحرب وخطة الإدارة للاستمرار فيها والسعي لإنهائها عبر مسار سياسي.
حتى هذه اللحظة، لا تزال محاولات الديمقراطيين فاشلة في هذا الاتجاه؛ فجميع المشاريع القانونية التي يسعى عبرها نواب وشيوخ الأقليتين الديمقراطيتين في المجلسين لا تزال تفشل في كل مناسبة تصويت علني أمام التصويت الجماعي للجمهوريين ضد مبادرات الديمقراطيين.
ويُعد الموقف الأكثر تعقيداً بالنسبة للديمقراطيين أنهم لا يزالون حتى الآن يفشلون في الحصول على التأييد الكافي من زملائهم الجمهوريين لترتيب جلسات استماع علنية لكبار مسؤولي الإدارة.
هذا التصادم في الرؤيتين الجمهورية والديمقراطية أدى إلى انقسام المواقف بصورة حادة داخل الكونغرس؛ لأن الجمهوريين اختاروا التصويت الحزبي ودعم الرئيس الجمهوري، فيما اختار الديمقراطيون الذهاب بعيداً في معارضة جميع خطط الإدارة في التعامل مع الحرب بمختلف تطوراتها وفقاً للتصويت الحزبي كذلك.
انتهاء حقبة المهل المحددة وبدء الدبلوماسية المفتوحة
لا ينظر كثيرون هنا في واشنطن بعين الرضا إلى مسار التفاوض الحالي الذي تتوسط فيه باكستان؛ حيث يسود الشعور العام بأن هناك عدم وضوح في المسار الدبلوماسي برمته، وحول ما إذا كان خيار الحصار البحري الذي تم اللجوء إليه من قبل القوات البحرية الأمريكية سوف يكون عاملاً مساعداً على تحقيق الأهداف الأمريكية في إضعاف الموقف السياسي للنظام الإيراني في الداخل وفي إدارة المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة.
جولة الأسبوع الماضي المتعثرة أثارت مزيداً من الأسئلة حول أجندة المفاوضات وأولويات المفاوض الأمريكي، خاصة بعد انتهائها إلى تأجيل جديد ومن دون وجود أي تفاصيل عن طبيعة الخلافات الأمريكية الإيرانية.
ترامب قدم رواية الانقسام الإيراني الداخلي وحاجة القيادة الحالية المنقسمة على نفسها في إيران إلى مزيد من الوقت لتوحيد وجهات النظر بين مكوناتها والانتهاء إلى موقف موحد جامع لمختلف الأجنحة.
هذه الرواية، يقول بشأنها دبلوماسيون مخضرمون، جاءت في وقت طغت فيه أزمة المضيق مجدداً على النقاشات المحلية والدولية، باعتبار أن الإيرانيين قرروا إعادة إغلاق الممر المائي العالمي كرد فعل على السلوك الأمريكي المتمسك بفرض الحصار البحري.
ويسود شعور بين الدبلوماسيين المخضرمين أن مسار المفاوضات الحالي، وحتى في جولتها الأولى في العاصمة الباكستانية، لم يكن دقيقاً في ترتيب أولوية التفاوض بالنسبة للجانبين الإيراني والأمريكي، بالقدر الذي طغت عليها حسابات تسجيل المكاسب السياسية والصورة الإعلامية خارج قاعة المفاوضات.
هناك أسئلة أخرى ترتبط بطبيعة الملفات التي ستتم مناقشتها؛ حيث يقول هؤلاء إن التوصل إلى اتفاق عام 2015 بين الإدارة السابقة للرئيس باراك أوباما والجانب الإيراني وبقية المجتمع الدولي، بما فيه الصين وروسيا حينها، احتاج إلى 14 شهراً من المفاوضات.