واجه القضاء التركي موجة انتقادات نادرة انطلقت من قلب التحالف الحاكم محمّلة بدلالات سياسية بالغة الحساسية، في وقت تمر فيه البلاد بانقسام حاد ومسار دبلوماسي متعثر مع المكون الكردي.
وتأتي هذه الضغوط عقب إصدار محكمة إسطنبول الجنائية العليا حكمًا بالسجن لأكثر من 6 سنوات بحق أحمد أوزر، القيادي في حزب الشعب الجمهوري المعارض، بتهمة الانتماء لحزب العمال الكردستاني، وهو الحكم الذي اعتبره مراقبون لغمًا قد ينفجر في وجه جهود السلام الهشة بين أنقرة والأكراد.
وبجانب انتمائه لأكبر أحزاب المعارضة، يشغل أوزر منصب رئيس بلدية منطقة "إسنيورت" في غربي إسطنبول، التي يقارب عدد سكانها مليون نسمة، كثير منهم أكراد، بجانب كونه أكاديميا كرديا معروفا.
وفاجأ حزب الحركة القومية الأوساط السياسية في البلاد عندما انتقد الحكم الصادر وحثّ القضاء التركي على أداء دور في دعم عملية السلام الجارية، ما ترك صدى إيجابيا لدى أوزر الذي ردّ بالترحيب.
وجاء موقف حزب الحركة القومية المتحالف مع حزب العدالة والتنمية الحاكم، في خضم انقسام حاد بين الأخير وحزب الشعب الجمهوري المعارض، حول ملفات عديدة، ومقاطعة سياسية بين الطرفين.
كما جاء موقف حزب الحركة القومية بالتزامن مع توتر علاقته مع حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، المقرب من أكراد تركيا، الذي يؤدي دور الوسيط في عملية السلام الجارية بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني.
وقال مصدر برلماني تركي إن موقف زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، ونائبه فتي يلدز، المدافع عن أوزر، لقي ترحيباً في أوساط حزبي "الشعب الجمهوري" و"الديمقراطية والمساواة للشعوب".
وأضاف المصدر لـ"إرم نيوز" أن الاعتقاد والتوقعات في أوساط الحزبين هي أن يترك موقف بهجلي أثراً ملموساً في الأحكام القضائية التي ستصدر في الفترة المقبلة بشأن عدد من القضايا المثيرة للانقسام والحساسة في تركيا.
وقال بهجلي بعد صدور الحكم على أوزر إن على الجميع دعم عملية السلام بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، واصفاً الحكم بأنه من دون مبرر ويتناقض تمامًا مع هدف وجهود "تركيا خالية من الإرهاب" وهو الاسم الذي تطلقه أنقرة على عملية السلام.
وأضاف بهجلي في بيان أن حكم السجن يتعارض مع مبادئ العدالة والإنصاف، داعياً إلى تصحيحه خلال إجراءات الاستئناف، وإلى أن يقدم النظام القانوني التركي الدعم القضائي والمعنوي لشعور الوحدة والتضامن الوطنيين على حد قوله.
ورد أوزر الذي ينفي التهم الموجهة له على بهجلي، عبر تقديم الشكر له، مشيراً لكونه شريك الحزب الحاكم، في إشارة لتحالف الشعب الذي يمتلك أغلبية برلمانية تتيح له تمرير التعديلات القانونية.
وأضاف أوزر في تصريحات عقب صدور الحكم أنه يتوقع من حزب الحركة القومية اتخاذ خطوات لإنهاء "الظلم والمخالفات القانونية"، مشيراً لكون عملية السلام الجارية لا يمكن أن تُدار بمنطق مساواة الهوية الكردية بالإرهاب.
وسجن أوزر لعد أشهر قبل أن يطلق سراحه ليحاكم طليقاً، فيما يقبع رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، ونحو 16 رئيس بلدية رئيسة وفرعية أخرى تابعة لحزب الشعب الجمهوري، في السجن بتهم فساد متشعبة، يقول حزبهم إنها قضايا ملفقة بدافع سياسي، تمت عبر تسييس القضاء، وينفي الحزب الحاكم تلك الاتهامات ويقول إن عمل القضاء مستقل.
وأثّرت تلك الاعتقالات على موقف حزب الشعب الجمهوري الذي بدا متردداً في المشاركة باندفاع في عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني التي يدعمها الحزب الحاكم، ما أثار انتقاد حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الذي كان يعوّل على مساندة المعارضة له في مفاوضاته مع التحالف الحاكم.
وجاء موقف بهجلي الجديد ليلقي بتأثيره على كل تلك الاصطفافات السياسية، دون أن يتضح موقف الحزب الحاكم من دعوة بهجلي للقضاء في مراعاة عملية السلام الجارية عند إصدار أحكامه.
وتستهدف عملية السلام إنهاء الصراع المسلح بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني بعد نحو 40 عاماً على اندلاعه، عبر حل الحزب وإلقاء مقاتليه للسلاح والانخراط في الحياة السياسية مقابل سن تشريعات تنظم عودة قادة ومقاتلي الحزب، بجانب تلبية تطلعات أكراد تركيا في المواطنة المتساوية.