تُقدم الصين نفسها كبديل "ناضج" للفوضى الأمريكية، مروجةً لخطابها حول "التعددية الحقيقية" وجاذبة قادة أوروبيين متتاليين إلى بكين، في ما يبدو كإعادة تشكيل جذرية للنظام العالمي.
وتأتي خطوات بكين، بينما ينسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من عشرات المنظمات الدولية ويهدد الحلفاء في حلف شمال الأطلسي "الناتو".
وتطرح التحركات الصينية سؤالًا مفاده: هل تملأ الصين الفراغ الأمريكي فعلاً، أم أن العالم يشهد ميلاد نظام متعدد الأقطاب حيث القوى الوسطى تختار مصالحها بدلاً من معسكراتها؟
ومنذ مطلع العام الجاري، استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ورئيس وزراء فنلندا بيتيري أوربو، والزعيم الإيرلندي ميشيل مارتن.
كما زار رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر العاصمة بكين، ويُتوقع وصول المستشار الألماني فريدريش ميرتس نهاية شهر شباط/فبراير الجاري، ورغم أن هؤلاء حلفاء لواشنطن، جميعهم تلقوا ضربات من رسوم ترامب على الصلب والألمنيوم والسيارات.
ورأت أليسيا باتشولسكا، باحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية لقناة "يورو نيوز"، أن "الأوروبيين يبدون مشلولين أمام التحديات الأمنية (العسكرية والاقتصادية) القادمة من بكين وواشنطن معاً، لذا الشهية محدودة لاتخاذ قرارات جريئة ومكلفة".
ولا يفوت الرئيس شي جين بينغ الشرخ في التحالف الأطلسي، فهو في كل مرة يستقبل مسؤولاً، يغتنم الفرصة لتوبيخ ترامب ضمنياً، وتقديم بلاده كمدافع صلب عن التعددية.
وخلال لقائه ستارمر قال شي، إن "النظام الدولي تحت ضغط كبير، وأن القانون الدولي لا يمكن أن يكون فعالاً إلا عندما تلتزم به جميع الدول"، في إدانة واضحة لـ"الأحادية والحمائية وسياسات القوة"، التي تتبعها واشنطن.
وفي المنتدى الاقتصادي العالمي "دافوس"، خلال شهر كانون الثاني/يناير الماضي، عندما أعلن ترامب أن أمريكا أصبحت "أسخن بلد في العالم"، شدد نائب رئيس الوزراء الصيني لي هيفينغ على دعم الصين المستمر للتعددية والتجارة الحرة.
وقال هيفينغ، إنه "رغم أن العولمة الاقتصادية ليست كاملة وقد تسبب مشاكل، لا يمكننا رفضها تماماً والتراجع للعزلة المفروضة ذاتياً"، لافتًا إلى أن "النهج الصحيح يجب أن يكون، ولا يمكن أن يكون سوى، إيجاد حلول معاً من خلال الحوار"، وفق ما نقل موقع "Civicus Lens".
وفي دافوس، قدمت الصين نفسها أيضا كبديل ناضج لترامب، مروجة لمبادرة "أصدقاء الحوكمة العالمية"، وهي مجموعة داخل الأمم المتحدة تضم 43 دولة معظمها استبدادية، بما فيها بيلاروسيا ونيكاراغوا وكوريا الشمالية.
من جهته، رأى ديفيد وو، الرئيس التنفيذي لشركة "David Woo Unbound" والرئيس السابق لاستراتيجية الاقتصاد الكلي في "بنك أوف أمريكا"، أن "النظام الدولي القائم على القواعد الذي صممه الأمريكيون يتفكك بسرعة، وأن النظام أفاد الولايات المتحدة طالما كانت هيمنتها العسكرية والسياسية والاقتصادية تامة. هذا لم يعد هو الحال بوضوح"، بحسب موقع "Financial Sense".
لكن هانسكوم سميث، الدبلوماسي الأمريكي السابق في جامعة ييل، يرى الصورة أكثر تعقيداً، حيثُ قال "عندما تصبح الولايات المتحدة أكثر معاملاتية، يخلق ذلك فراغاً، لكن ليس واضحاً إلى أي مدى ستتمكن الصين أو روسيا أو أي قوة أخرى من ملء الفراغ. ليست بالضرورة لعبة محصلتها صفر" معللاً ذلك بأن " كثيراً من الدول تريد علاقة جيدة مع الولايات المتحدة والصين، ولا تريد الاختيار".
وأشار تحليل من "Foreign Policy" إلى أن "الصين تبقى متجذرة بعمق في سلاسل التوريد العالمية ومنخرطة باستمرار في المؤسسات متعددة الأطراف. فمنذ عقود، كانت الصين سعيدة بالعمل مع دول الجنوب العالمي دون شروط. الآن، بعد انسحاب واشنطن وانقساميتها الجديدة، ينعكس هذا إيجابياً على الصين".
من ناحيته، قال جيانغ فينغ، أستاذ في أكاديمية شنغهاي للحوكمة العالمية، في مؤتمر ميونخ الأمني، إن "الصين تلتزم بالتعددية الحقيقية وتعارض الإجراءات الأحادية. الصين تلعب دوراً حيوياً متزايداً على المسرح العالمي وأصبحت قوة لا غنى عنها في الشؤون الدولية".
من جهتها حذرت إيفا سيوارت من معهد "MERICS" الألماني من أنه "دون إجراءات حاسمة، في 2026، ستكافح أوروبا لتأكيد أهميتها العالمية بينما تجتذب بكين دائرة متوسعة من الشركاء".