يعكس تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنظيره الكوبي ميغيل دياز-كانيل، بضرورة التفاوض مع الولايات المتحدة "قبل فوات الأوان" ما تمثله هافانا من تحديات عدة للاستراتيجية الأمنية الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية.
ويتزايد التوتر في ظل حضور أدوات لكوبا تتحكم في مسارات عدة في الداخل الفنزويلي، بالإضافة إلى أنها تحمل استمرار النفوذ الروسي والصيني في البحر الكاريبي.
ويقول مصدر دبلوماسي أمريكي رفيع المستوى إن النظام الكوبي هو عقل ويد نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا خلال عهده وحتى بعد نقله إلى السجن في الولايات المتحدة، لدى ما تبقى من أركان حكمه إلى الآن.
ويوضح المصدر بالقول: تمتلك كوبا أدوات مهمة في كراكاس، فلديها هناك استخبارات قوية وتأثيرات أخرى، فضلا عن أدوار تقوم بها كوبا على مستوى دول في القارة اللاتينية وليس محيط الكاريبي فقط، ما يتعارض مع أهداف الولايات المتحدة هناك.
وبذكر الدبلوماسي الأمريكي في تصريحات لـ"إرم نيوز" أن وجود نظام الرئيس ميغيل دياز-كانيل في هافانا يقدم إحياء لنفس فكر مادورو من جديد في المرحلة الانتقالية التي تمر بها كراكاس.
وأشار إلى ارتباط جانب كبير من عمليات تهريب النفط من فنزويلا بمؤسسات تدار عبر هافانا ومسؤولين محسوبين على النظام الكوبي، والأهم من ذلك ما تعمل عليه هافانا من تقديم مناطق وجود للنفوذ الصيني والروسي في الكاريبي.
وبيّن المصدر الدبلوماسي أن النظام الكوبي له نفوذ قوي في مفاصل مؤسسات الدولة داخل فنزويلا، ليس فقط على المستوى الاجتماعي أو السياسي أو التعاون العسكري إلى أبعد حد مع الأجهزة أو القوات المسلحة هناك، ولكن هافانا تدير أيضا جانبا كبيرا من تهريب النفط الفنزويلي عبر ناقلات إلى روسيا والصين، بالإضافة إلى ما لها من حضور استخباراتي واسع في كراكاس، وفق تأكيده.
وذكر المصدر أن نظام كوبا كان الداعم الأكبر من الدائرة اللاتينية لمادورو، وهناك عمل من هافانا على فرض نظام في كراكاس، تكون مرجعيته الرئيس الفنزويلي الذي يحاكم في الولايات المتحدة عن قضايا المخدرات.
ولفت المصدر الدبلوماسي إلى أن هذا الحضور الكوبي له تأثير بشكل أو آخر على دفة السياسة في فنزويلا خلال الفترة القادمة مع الرئيسة بالوكالة ديلسي رودريغيز، وهو ما لا تريد واشنطن أن يكون لهافانا أي تأثير بخصوصه.
وكان ترامب قد ألمح إلى إمكانية تغيير الرئيس الكوبي، في حين وصفت هافانا واشنطن بأنها تتصرف كقوة مهيمنة إجرامية ومنفلتة تهدد السلم العالمي، وذلك بعد أن نشر الرئيس الجمهوري على وسائل التواصل الاجتماعي أن وزير خارجيته ماركو روبيو، المولود لأبوين مهاجرين كوبيين، قد يصبح الرئيس المقبل لكوبا.
ويؤكد الباحث في الشأن اللاتيني، علي فرحات، أنه كان من المتوقع أن تكون كوبا هدفا ثانيا لترامب في الحديقة الخلفية لبلاده، في ظل سياسة تعمل من خلالها على تطويع الأنظمة في هذه المنطقة عبر 3 أمور: تهديد وترهيب الداخل، العقوبات الاقتصادية القاسية والحصار، الضربات العسكرية الوازنة التي تؤدي إلى تحقيق نتيجة دون الذهاب إلى الحرب.
وأضاف فرحات في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن نفس الأسلوب الذي استخدمه الرئيس الجمهوري في فنزويلا، يسلكه مع كوبا، البلد الصغير المحاصر منذ فترة طويلة، وهو منهك على الصعيد الاقتصادي، ويحصل على النفط وبقية الشؤون المعيشية من كراكاس، في ظل حضور شركات تتحايل على العقوبات تقوم بهذه المعادلة لصالح هافانا.
وأوضح فرحات أن قرار ترامب إعلان منع هذه الشركات من تقديم النفط إلى كوبا، وتحكمه بمصير النفط الفنزويلي، يعتبر إعلانا أوليا للحرب الاقتصادية، وذلك كما فعل مع كراكاس بمنعها تصدير النفط إلا بكميات قليلة وعبر شركات شيفرون فقط.
وتابع فرحات أن ترامب عبر هذا السيناريو أعلن الحصار على الشعب الفنزويلي، لأن العائد لكراكاس يأتي فقط من النفط ولذلك فإن هافانا التي لديها مصادر طاقة محدودة، لا يمكن لها الاستمرار في الحياة الطبيعية مع هذا الحصار، مما يؤثر على مقتضيات الحياة اليومية.
وأشار فرحات إلى أن ترامب وفريقه أخذوا قرارا بعدم وجود دول تحمل العدوانية للولايات المتحدة كمنهجية، والحديث هنا عن كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا، ولذلك فإن التغيير في هافانا بالنسبة للإدارة الجمهورية مسألة ضرورية للغاية.
وأوضح أن بقاء النظام الكوبي بهذه المنهجية يشكل عائقا أمام واشنطن في تطويع الأنظمة في أمريكا اللاتينية، لذلك ليس من المستبعد أن تلجأ واشنطن إلى عمليات مشابهة لما جرى في كراكاس عبر إجراء أمني معين، من الممكن أن يحقق الهدف الأمريكي هناك.
بدوره، اعتبر عضو الحزب الاشتراكي الفنزويلي الموحد، خالد الهندي، أن هناك إدارة من الصقور في الولايات المتحدة، يقودها ترامب ومعه نائبه جي دي فانس ووزير الخارجية مارك روبيو، يعملون على إسقاط كافة الأنظمة الاشتراكية في أمريكا اللاتينية.
وقال إنه بعد ما جرى في كراكاس واستهداف النظام عبر الخنق من الداخل، يتجهز نفس السيناريو لكوبا عبر عدة إجراءات، في صدارتها عدم وصول النفط الفنزويلي إليها، الأمر الذي سيكون له أثر كبير في الحياة المعيشية.
وأفاد الهندي في تصريحات لـ"إرم نيوز"، بأن التهديدات الأمريكية لهافانا ليست وليدة هذه الفترة، بل هي قائمة منذ عقود، بعد أن انضمت كوبا للمعسكر الشرقي وقدمت لها الدول الاشتراكية دعما.
وأضاف: يستكمل ترامب مخططه في إنهاء أي علاقات بين الدول القائمة في محيط بلاده، ومنها كوبا، مع الصين وروسيا.
وأردف أن الولايات المتحدة في ظل عملها على تغيير الأنظمة السياسية ضمن ما أعلن من الاستراتيجية الأمنية، تستهدف دول الكاريبي وأنظمتها بتهم تجعلها تذهب لتغيير سلطة الحكم.
وشدد على أن هذا "ما جرى في اختطاف الرئيس مادورو، في ظل أسباب عارية من الصحة حول عصابات المخدرات، ليتضح أن الأمر يتعلق بالطمع في النفط"، وفق تأكيده.