شهد مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية، توقفًا شبه كامل لحركة الملاحة يوم الخميس، بعد تصعيد عسكري غير مسبوق تمثل في إطلاق نار على سفن تجارية واستيلاء القوات الإيرانية على سفينتين على الأقل، في أول حادث من نوعه منذ أسابيع من الهدوء النسبي في الحرب بين إيران والولايات المتحدة.
وبحسب بيانات ملاحية وتقارير إعلامية، لم تعبر الممر المائي سوى سفينة واحدة في ساعات الفجر الأولى، بينما امتنعت سفن أخرى عن الدخول إلى المضيق بعد بدء الاشتباكات البحرية؛ ما أدى فعليًّا إلى شلل في حركة العبور، بحسب وكالة "بلومبرغ".

وأفادت التقارير، بأن قوات إيرانية أطلقت النار على ثلاث سفن تجارية أثناء عبورها المضيق، قبل أن تستولي على سفينتين هما "MSC Francesca" و"Epaminondas"، في خطوة وُصفت بأنها تصعيد مباشر في جهود طهران لتعزيز سيطرتها على أحد أهم الممرات الإستراتيجية في العالم.
كما رُصدت السفينة "Epaminondas" وهي تُقتاد باتجاه جزيرة قشم الإيرانية، بينما توقفت السفينة "MSC Francesca" عن بث إشارات التتبع بعد الحادث مباشرة.
في المقابل، توقفت ناقلات أخرى عن العبور، من بينها سفينة الشحن "Ocean Jewel"، التي ألغت مسارها عند مدخل المضيق عقب اندلاع الاشتباك، في حين بقيت ناقلة البضائع "LB Energy" من بين السفن القليلة التي سجلت عبورًا محدودًا في الساعات السابقة للتصعيد.
وتشير بيانات التتبع إلى أن حالة من الترقب والقلق تسود بين شركات الشحن الدولية، وسط مخاوف من توسع نطاق الاستهداف ليشمل مزيدًا من السفن التجارية في المنطقة.
يأتي هذا التطور بعد أيام من توتر متصاعد في الممر البحري، حيث شهدت الفترة الأخيرة سلسلة من الاحتكاكات البحرية بين القوات الإيرانية والسفن المرتبطة بالوجود الأمريكي في المنطقة.
وتتهم طهران الولايات المتحدة بفرض حصار بحري على سواحلها، بينما تقول واشنطن إن عملياتها تهدف إلى منع تهريب النفط وفرض قيود على الأنشطة البحرية الإيرانية.
وبحسب بيانات عسكرية أمريكية، فقد تم اعتراض أو إعادة عشرات السفن منذ بدء العمليات البحرية في المنطقة، في حين تؤكد مصادر ملاحية أن بعض السفن لا تزال عالقة بين خطوط التفتيش والاعتراض في خليج عُمان ومحيط المضيق.
يمثل مضيق هرمز شريانًا حيويًّا لنقل جزء كبير من إمدادات النفط والغاز عالميًّا، وأي اضطراب في حركة الملاحة فيه ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
ويحذر خبراء ملاحيون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري، وإعادة توجيه مسارات الشحن عبر طرق أطول وأكثر تكلفة؛ ما يفاقم الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.
ومع استمرار غياب التهدئة السياسية بين واشنطن وطهران، يبدو أن المضيق دخل مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع السيطرة على أحد أهم الممرات الإستراتيجية في العالم.
وفي ظل هذا التصعيد، يبقى مستقبل الملاحة في هرمز مرهونًا بتطورات الميدان العسكري، وسط مخاوف متزايدة من أن يتحوَّل المضيق إلى نقطة اشتعال رئيسية في الحرب الدائرة.
يتصل التصعيد الحالي بين إيران والولايات المتحدة في مضيق هرمز بسياق أوسع من التوترات التي أعادت تشكيل الحسابات الأوروبية خلال هذا الأسبوع، بعدما دخل الممر البحري بشكل مباشر في النقاشات الأمنية داخل الاتحاد الأوروبي.
فقد جاء اجتماع باريس ليضع هرمز في صلب التفكير الأوروبي، مع بحث عشرات الدول إمكانية إنشاء قوة بحرية لحماية الملاحة، في مؤشر على انتقال الملف من دائرة الاهتمام الأمريكي إلى مقاربة أطلسية-أوروبية أوسع.
وتزامن ذلك مع اتفاق سفراء الاتحاد الأوروبي في بروكسل على توسيع نطاق العقوبات المرتبطة بعرقلة العبور في المضيق، ما يعكس إدراكًا متزايدًا لدى العواصم الأوروبية بأن أي اضطراب في هرمز لم يعد مجرد أزمة إقليمية، بل عامل ضغط مباشر على أمن الطاقة والتجارة العالمية وأمن الشحن البحري الأوروبي نفسه.
وقد قادت فرنسا وبريطانيا نقاشًا شاركت فيه عشرات الدول، في محاولة لتشكيل إطار دفاعي محتمل لحماية خطوط الملاحة عند تدهور الظروف الأمنية.
في المقابل، برز تباين داخل الحلف الأطلسي حول طبيعة الرد، حيث دفعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو مقاربة تعتمد على الضغط البحري والعقوبات ضد إيران، مع إرسال إشارات متباينة بشأن مدى الحاجة لمشاركة الحلفاء الأوروبيين في أي مهمة بحرية مشتركة.
هذا التباين ظهر بوضوح بالتوازي مع اجتماع باريس، حين أشار ترامب إلى أن الولايات المتحدة لا تحتاج بالضرورة إلى دعم الحلفاء في هذا المسار.
وتعكس هذه التطورات حالة من إعادة توزيع الأدوار بين واشنطن وأوروبا، إذ تتحرك الأخيرة تحت عنوان حماية حرية الملاحة وتأمين التجارة الدولية، بينما تندرج التحركات الأمريكية ضمن استراتيجية أوسع للضغط على إيران.
وقد دفعت هذه التوترات الاتحاد الأوروبي إلى دراسة إجراءات احترازية إضافية، من بينها إمكانية الإفراج المنسق عن مخزونات وقود الطائرات في حال استمرار اضطراب المضيق وتأثيره على حركة الطيران.
وفي هذا السياق، تبدو أوروبا أمام اختبار عملي لقدرتها على إدارة ملف أمني خارج حدودها التقليدية، مع سعي فرنسا وبريطانيا إلى بلورة مهمة بحرية تضم مساهمات من أكثر من عشر دول. غير أن هذا التوجه يظل مقيدًا بعوامل عدة، أبرزها الحاجة إلى تنسيق غير محسوم مع الولايات المتحدة، والحساسية السياسية تجاه أي احتكاك مباشر مع إيران.