يكتسب الإعلان الدنماركي الصريح عن فشل اجتماع في واشنطن، رفيع المستوى، حول غرينلاند، دلالة لا يمكن اختزالها في أنه مجرد تعثر تفاوضي، بل يكشف عن هوة شاسعة بين الطرفين يصعب تقليصها.
وخلافاً للأعراف الدبلوماسية الغربية المتحفظة، أعلن وزير خارجية الدنمارك لارس لوك راسموسن أن الموقف الأمريكي لم يتغير، وأن ثمة "خلافاً جوهرياً" بين الطرفين، مضيفاً، بصراحة نادرة، أن ترامب "لديه رغبة في غزو غرينلاند".
ويرى خبراء أن هذا الاعتراف العلني ليس توصيفاً تقنياً لتعثر اجتماع ضم وزيري خارجية البلدين، ومسؤولين من الجزيرة التابعة لكوبنهاغن، بل هو إقرار، لا لبس فيه، بأن أدوات الدبلوماسية التقليدية، قد استنفدت، أو على الأقل، التفاهمات لم تعد قريبة.
ويضيف الخبراء بأن مساحات التفاوض باتت ضئيلة في ضوء التباين الحاد بين مقاربتين، أي بين من يتمسك بمبدأ السيادة، استناداً إلى المواثيق الدولية، وبين من يحاول تقويضها بالقوة العسكرية، فبينما تتحدث الدنمارك لغة القانون، تتحدث واشنطن عن سيناريوهات الحسم العسكري: "إذا لم نفعل نحن سيفعلها الآخرون".
بهذا المعنى، فإن ثمة استعصاء لا يمكن تجاوزه بلجان مشتركة، أو بعبارات دبلوماسية مراوغة، خاصة أن ترامب، كما يوضح خبراء، يذهب غالباً إلى الحلول الحاسمة والصادمة، فهو يسعى إلى إدارة فنزويلا بعد الإطاحة برئيسها، والتحكم في جزيرة كوبا القريبة، وإسقاط النظام الإيراني، وصولاً إلى امتلاك غرينلاند.
ويتضح الوقع الثقيل للفشل عند ربطه بالسياق الرمزي الذي رافق الاجتماع، فبينما كان مسؤولو البلدين يناقشون وضع الجزيرة، نشر البيت الأبيض عبر حسابه على منصة "إكس" صورة تختزل مستقبل الجزيرة في خيارين، لا ثالث لهما.
الصورة تُظهر زلاجتين تجرّهما كلاب، إحداهما تتجه نحو العلم الأمريكي الذي يرفرف فوق البيت الأبيض تحت سماء زرقاء مشرقة، والثانية نحو أعلام روسيا والصين حيث الكرملين وسور الصين العظيم يظهران تحت سماء مكفهرة، مشحونة بالصواعق، مرفقاً بالسؤال: "أيّ طريق (ستختارون)، يا رجال غرينلاند؟".
ويوضح الخبراء بأن هذه الصورة تضع سكان غرينلاند، البالغ عددهم نحو 60 ألفاً (بنسبة 100% من إجمالي السكان المحليين)، أمام خيارين، فإما شمس أمريكا المشرقة، حيث تحتاج الجزيرة الجليدية إلى الدفء والضوء، أو قتامة الصين وروسيا، حيث العواصف والرعود.
بهذا المعنى، فإن الصورة التي نشرها البيت الأبيض، لم تكن مجرد تهكّم عابر أو فاصل ترفيهي أو دعابة إعلامية، بل ترجمة بصرية لسياسة ترامب حيال الجزيرة.
ويشرح الخبراء بأن سياسة الرئيس الأمريكي تكشف عن منطق ثنائي صارم، تنتفي معه أي حلول وسط، فإما أن تقع الجزيرة تحت نفوذ روسيا والصين، أو تستحوذ عليها الولايات المتحدة ضمانا لأمنها وأمن حلفائها، فضلاً عن طموحات بربط الجزيرة بالنظام الدفاعي الأمريكي المعروف باسم "القبّة الذهبية".
ويحاجج الخبراء بأن هذه الرؤية الأمريكية، وإن كانت تتذرع بأمن الحلفاء، إلا أنها مؤشر على تصدع في مفهوم التحالف نفسه، حيث تُختصر مصير جزيرة في صورة، ويُستبدل نهج الحوار والتفاوض بالابتزاز الرمزي.
وتذهب بعض التحليلات السياسية إلى أن الاعتراف الدنماركي بفشل الاجتماع يمكن قراءته من زاوية مختلفة، بمعنى أن الهدف هو اللجوء إلى سياسة "الدفاع الاستباقي"، فاعتراف كوبنهاغن بفشل الاجتماع، ونفي أي انطباع بحل وشيك، يفضي إلى حصولها على مساندة ودعم دولي مبكر، قد تنجح في عرقلة خطط ترامب بضم الجزيرة.
وكان لافتاً وسط هذه المناكفات السياسية الحادة، إعلان الدنمارك عن تعزيز وجودها العسكري في غرينلاند، بالتنسيق مع الحلفاء الأوروبيين، بما في ذلك إرسال قوات فرنسية، وألمانية، وسويدية، في مهمة استطلاع ومناورات مشتركة تحت شعار "الصمود القطبي".
ويشير خبراء إلى أن هذا الوجود العسكري الأوروبي المحدود في غرينلاند، والذي من المرجح أن يتعزز في الفترة المقبلة، لا يقتصر على غاية دفاعية بحتة، بل يحمل رسالة واضحة مفادها أن السيادة ليست ورقة قابلة للمساومة، وأن أوروبا ليست مجرد شريك تابع في تحالف غربي، بل سيكون له دور مؤثر عند وقوع أي صدام.
يشير الخبراء إلى أن ثمة عدة سيناريوهات باتت مطروحة في ظل هذا الخلاف الحاد والمعلن، لعل أكثرها ترجيحاً هو فرض واشنطن بسط سيطرتها على الجزيرة، لا على شكل غزو عسكري مباشر، بل بصورة تدريجية هادئة، عبر توسيع قواعدها العسكرية في الجزيرة، وربط الدفاع الجوي للجزيرة بمنظوماتها، ما يحول السيادة الدنماركية إلى شكلية.
ويشمل هذا السيناريو، كذلك، توطيد الحضور الاقتصادي والسياسي، مثل توقيع عقود إستراتيجية من جانب الجزيرة مع شركات أمريكية حصرية، أو التحكم في الموارد الطبيعية، والاتصالات، والبنية التحتية للجزيرة، ما يقلص دور الدنمارك عملياً.
أما ثاني السيناريوهات فيتمثل في تصعيد سياسي متبادل داخل أروقة الناتو، حيث تستمر الولايات المتحدة في ضغوطها الدبلوماسية والعسكرية، مقابل تعزيز دنماركي-أوروبي للوجود العسكري في الجزيرة دون أن يؤدي ذلك إلى انفجار الأزمة، لكنه يحافظ على القضية حية ومتفاعلة.
وثمة سيناريو ثالث وهو حدوث تحول دراماتيكي باتخاذ واشنطن لقرار بغزو الجزيرة، ما سيؤدي إلى انفجار داخل الناتو عبر مواجهة عسكرية بين الحلفاء، طالما تم خرق المادة الخامسة للحلف، والتي تنص على الدفاع المشترك لأعضاء الناتو ضد عدو خارجي، فإذا كان الخصم من الحلف نفسه، فهذا إعلان عن انتهائه.
في غضون ذلك، ستبذل الدنمارك، التي لا تملك القوة العسكرية التي يمكن أن تواجه بها الولايات المتحدة، جهوداً لتفعيل دبلوماسيتها إلى أقصى حدٍ، عبر اللجوء إلى التدويل القانوني والسياسي، وطرح القضية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن وضمن التكتل الأوروبي بهدف تأكيد حق غرينلاند في تقرير مصيرها، دون وصاية من واشنطن.