نتنياهو يدعو لعقد اجتماع للكابينيت الأمني والسياسي مساء الغد
حذر تقرير لمجلة "فورين أفيرز" من تنامي نفوذ التيار المتشدد في إيران ونزعة الردع النووي تحت وطأة الضغط العسكري.
وكشف انهيار محادثات إسلام آباد الأخيرة خللًا جوهريًا في مقاربة إدارة الملف النووي الإيراني، حيث طغى الضغط العسكري والاقتصادي على أي مسار دبلوماسي مستدام، بحسب التقرير.
وأشارت المجلة إلى أن المفاوضات التي جرت على عجل، رغم تحقيقها تقدمًا في عدة ملفات، انهارت عند النقطة الأكثر حساسية: البرنامج النووي الإيراني.
وبينما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن "معظم النقاط تم الاتفاق عليها"، بقي الملف النووي العقبة الحاسمة التي حالت دون التوصل إلى تسوية، ما يعكس استمرار هذا الملف كأحد أعقد التحديات في السياسة الدولية المعاصرة.
بحسب التقرير، فإن اعتماد واشنطن المتكرر على أدوات الضغط، من العقوبات إلى العمل العسكري، لم ينجح في تحقيق هدفه الأساسي المتمثل في إنهاء البرنامج النووي الإيراني.
وعلى الرغم من الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية خلال الحرب، فإن المعرفة النووية والقدرة على إعادة البناء بقيتا قائمتين، ما يجعل أي "حل عسكري" محدود التأثير على المدى الطويل.
ولفتت المجلة إلى أن هذا الواقع قد يدفع طهران إلى استنتاج معاكس لما تسعى إليه واشنطن، إذ إن التعرض للهجوم قد يعزز قناعة داخل دوائر القرار الإيرانية بضرورة الاحتفاظ بخيار الردع النووي مستقبلاً، بدل التخلي عنه.
وفي هذا السياق، لم تستبعد التحليلات أن يؤدي التصعيد العسكري إلى تقوية التيارات المتشددة داخل إيران، وتوسيع نطاق الصراع إقليميًا، وهو ما تحقق بالفعل مع امتداد المواجهات وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، إضافة إلى اضطرابات حادة في ممرات التجارة الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز.
في المقابل، شددت "فورين أفيرز" على أن التجربة الوحيدة التي أثبتت فاعليتها في تقييد البرنامج النووي الإيراني كانت عبر المسار الدبلوماسي، وتحديدًا من خلال اتفاق 2015 المعروف بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة.
ذلك الاتفاق، الذي جاء نتيجة مفاوضات متعددة الأطراف شاركت فيها قوى دولية كبرى، نجح في فرض قيود قابلة للتحقق على الأنشطة النووية الإيرانية مقابل رفع تدريجي للعقوبات.
ورغم انهياره لاحقًا بعد انسحاب واشنطن عام 2018، فإن المجلة ترى أن فشله لا يلغي جدواه، بل يبرز الحاجة إلى تصميم اتفاق أكثر صلابة واستدامة.
وأوضحت المجلة أن أحد أبرز الدروس المستفادة يتمثل في ضرورة بناء اتفاقات لا تتأثر بتغير الإدارات السياسية، بحيث يصعب على أي طرف الانسحاب منها دون كلفة عالية، سواء على المستوى الاقتصادي أم السياسي.
وانتقدت المجلة طريقة إدارة المفاوضات، معتبرة أن غياب الخبرة الفنية والدبلوماسية كان عاملًا حاسمًا في تعثرها، فالتعامل مع برنامج نووي معقد يتطلب فهمًا دقيقًا لتفاصيل تقنية مثل مستويات التخصيب وأداء أجهزة الطرد المركزي وآليات المراقبة.
كما أشارت إلى أن سوء قراءة المواقف الإيرانية ساهم في تعميق الفجوة بين الطرفين، حيث فُسّرت بعض المقترحات الإيرانية، مثل تعليق التخصيب لفترة زمنية، على أنها غير كافية، رغم أنها كانت تحمل في طياتها إمكانية حقيقية لمنع التسلح النووي.
وفي هذا الإطار، أكدت المجلة أن أي جولة مفاوضات مقبلة يجب أن تضم خبرات متخصصة قادرة على التمييز بين المواقف التفاوضية الأولية والعروض النهائية، وفهم السياق السياسي الداخلي لكل طرف.
ورأت "فورين أفيرز" أن الخطأ الأكبر في المقاربة الأمريكية تمثل في الاعتماد شبه الكامل على الضغط، دون تقديم حوافز ملموسة لإيران.
وأوضحت أن العقوبات والتهديدات العسكرية، رغم تأثيرها، لا تتحول إلى "رافعة تفاوضية" ما لم تقترن بمسار واضح يقدم مكاسب في حال تغيير السلوك.
في المقابل، اعتمدت مفاوضات 2015 على مزيج من الضغط والحوافز، حيث قُدمت لإيران خريطة طريق واضحة تشمل رفعًا تدريجيًا للعقوبات، وإتاحة الوصول إلى الأصول المجمدة، وفتح الباب أمام اندماج اقتصادي أوسع.
أما في المرحلة التي سبقت الحرب، فغابت هذه الرؤية، ما دفع طهران إلى اعتبار واشنطن شريكًا غير موثوق، خاصة في ظل سجل الانسحاب من الاتفاقات السابقة.
وأكدت المجلة أن أزمة الثقة لم تعد مقتصرة على الشكوك الغربية تجاه إيران، بل باتت تشمل أيضًا شكوكًا إيرانية عميقة تجاه التزامات الولايات المتحدة.
وقالت إن انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، رغم التزام طهران ببنوده، شكّل نقطة تحول في نظرة إيران لأي اتفاق مستقبلي.
كما أن استمرار الضغوط خلال فترات التفاوض، واندلاع العمل العسكري رغم وجود قنوات دبلوماسية مفتوحة، عززا هذه القناعة، ما يجعل أي اتفاق جديد بحاجة إلى ضمانات هيكلية، وليس مجرد تعهدات سياسية.
وبحسب التقرير، فإن أي تسوية مستقبلية يجب أن تعالج أوجه القصور في الاتفاق السابق، خاصة ما يتعلق بتوازن الالتزامات.
في الاتفاق السابق، قدمت إيران تنازلات كبيرة في البداية، بينما تأخر تنفيذ المكاسب الاقتصادية، ما جعلها أكثر عرضة للخسارة عند انسحاب الولايات المتحدة.
لذلك، تقترح المجلة بناء اتفاق قائم على "ضمانات تقنية" ومشاريع مشتركة، مثل تطوير البنية التحتية أو التعاون في مجالات الطاقة، بحيث تصبح تكلفة الانسحاب مرتفعة على جميع الأطراف.
كما شددت على ضرورة أن يتضمن الاتفاق رؤية واضحة للعلاقة المستقبلية بين إيران والمجتمع الدولي، بما يتجاوز الملف النووي ليشمل أبعادًا اقتصادية وسياسية أوسع.
في ختام تحليلها، اعتبرت "فورين أفيرز" أن الحرب الحالية، رغم كلفتها العالية، قد تشكل فرصة لإعادة تقييم المسار بالكامل. فالتجربة أثبتت أن القوة وحدها لا تكفي، وأن البديل عن الدبلوماسية ليس الاستسلام، بل الفوضى والتصعيد المستمر.
ورأت أن الخبرة اللازمة لبناء اتفاق فعال لا تزال متوفرة لدى الحكومات والمنظمات الدولية، لكن التحدي يكمن في توظيفها ضمن إطار سياسي واقعي يأخذ في الاعتبار دروس الماضي.
وبينما يبقى الطريق نحو اتفاق جديد معقدا، تؤكد المجلة أن الخيار الوحيد القابل للاستدامة يمر عبر طاولة المفاوضات، لا ساحات المواجهة، في لحظة تبدو فيها الحاجة إلى تسوية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.