القيادة العسكرية المشتركة العليا: السفينة التي تعرضت لهجوم أمريكي كانت متجهة من الصين إلى إيران
تتجاوز الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران كونها مواجهة عسكرية تقليدية، إذ إنها تحولت إلى اختبار شامل لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها في قمة النظام الدولي، وذلك في وقت تتراكم فيه مؤشرات التراجع النسبي وصعود بيئة عالمية أكثر تعقيدًا وتنافسية.
مجلة "أميركان كونسيرفيتيف" (المحافظ الأمريكي) التي تعبر عن آراء المحافظين التقليديين، ذكرت أن تلك الحرب، ورغم عدم وضوح مآلاتها النهائية، قد تُسجَّل كواحدة من اللحظات المفصلية التي تعكس نهاية مرحلة "الأحادية القطبية" التي تلت الحرب الباردة، حيث كانت واشنطن قادرة على فرض إرادتها عبر مزيج من القوة العسكرية والاقتصادية والتحالفات الواسعة.
أكدت المجلة أن مجريات الحرب كشفت فجوة بين طبيعة القدرات العسكرية الأمريكية الحالية ومتطلبات الحروب طويلة الأمد، مشيرة إلى أن البنية الدفاعية للولايات المتحدة لا تزال مهيأة لعمليات سريعة تعتمد على التفوق التكنولوجي، أكثر من كونها مصممة لصراعات استنزاف واسعة النطاق.
وأضافت أن خوض حرب عالية الكثافة في الشرق الأوسط، بالتزامن مع التزامات أخرى في أوروبا وآسيا، يفرض ضغوطًا كبيرة على الموارد، ما يحد من قدرة واشنطن على إدارة أكثر من جبهة بفعالية.
وترى المجلة أن هذا الواقع يعيد طرح تساؤلات استراتيجية قديمة حول جدوى الانتشار العسكري الواسع، ويدفع نحو إعادة التفكير في مفهوم "القوة العالمية" الذي اعتمدت عليه الولايات المتحدة لعقود.
وفي البعد السياسي، ذكرت المجلة أن الحرب عمّقت الشكوك لدى الحلفاء بشأن اتساق السياسة الأمريكية، في ظل ما يُنظر إليه على أنه تناقضات في القرارات وتبدل الأولويات.
وأوضحت أن هذه التطورات تدفع عددًا من الدول إلى إعادة تقييم اعتمادها على المظلة الأمريكية، خاصة في أوروبا، حيث يتصاعد النقاش حول ضرورة بناء قدرات دفاعية مستقلة، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على واشنطن.
كما لفتت إلى أن التنافس داخل أوروبا نفسه بدأ يزداد وضوحًا، مع توجه ألمانيا إلى توسيع إنفاقها العسكري بشكل غير مسبوق، في مقابل سعي فرنسا لتعزيز دورها القيادي في بناء منظومة دفاعية أوروبية أكثر استقلالًا.
أشارت المجلة إلى أن قوى دولية مثل الصين وتركيا تتابع الحرب من كثب، ليس من زاوية نتائجها المباشرة فحسب، بل من حيث انعكاساتها على توزيع القوة والموارد الأمريكية عالميًا.
وأضافت أن هذه القوى تسعى إلى استغلال أي فراغ أو انشغال أمريكي لتعزيز مواقعها الإقليمية، دون أن تنخرط مباشرة في الصراع، ما يعكس تحولًا نحو استراتيجيات أكثر براغماتية في إدارة التنافس الدولي.
رغم الحديث عن تراجع الهيمنة الأمريكية، أكدت المجلة أن هذا لا يعني ظهور قوة بديلة قادرة على قيادة النظام الدولي بشكل منفرد.
فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك أكبر اقتصاد عالمي، وشبكات مالية وتكنولوجية متقدمة، إضافة إلى سوق استهلاكي ضخم يمنحها مزايا يصعب تعويضها سريعًا.
في المقابل، تواجه القوى المنافسة قيودًا واضحة؛ إذ تعاني روسيا من تحديات اقتصادية وديموغرافية، بينما تفتقر الصين إلى شبكة تحالفات عسكرية عالمية أو رغبة في تحمل أعباء أمنية خارج نطاقها الإقليمي.
وبناءً على ذلك، ترجّح المجلة أن يتجه العالم نحو نظام أكثر "فوضوية"، تتعدد فيه مراكز القوة دون وجود هيمنة واضحة لطرف واحد.
في سياق متصل، أفادت المجلة بأن الحرب أعادت إحياء الجدل داخل الولايات المتحدة حول كلفة التحالفات الدولية، ومدى توافقها مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية.
وأوضحت أن هذه التحالفات، رغم أهميتها في تعزيز النفوذ، قد تتحول إلى عامل يقيّد حرية القرار، ويزيد من احتمالات التورط في نزاعات لا تخدم الأولويات الأمريكية المباشرة.
وترى المجلة أن هذا الجدل قد يتصاعد في المرحلة المقبلة، خاصة إذا استمرت الحرب لفترة طويلة أو توسعت جغرافيًا.
تناولت المجلة أيضًا البعد الفكري للصراع، مشيرة إلى وجود توتر مستمر بين مدرستين في تفسير السياسة الدولية: الأولى واقعية تركز على المصالح والقوة، والثانية ذات طابع "حضاري" ترى الصراعات امتدادًا لانقسامات ثقافية ودينية.
وبيّنت أن الخطاب الحضاري، رغم قدرته على تعبئة الرأي العام، قد يؤدي إلى تضخيم النزاعات وتحويلها إلى مواجهات مفتوحة، ما يقلص فرص التسوية ويزيد من مخاطر التصعيد طويل الأمد.
وفي جانب آخر، ذكرت المجلة أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت تلعب دورًا محوريًا في تشكيل القرارات السياسية، حيث تضغط سرعة تداول المعلومات على القادة لاتخاذ مواقف فورية، أحيانًا دون توفر معلومات دقيقة.
وأضافت أن هذا الواقع قد يدفع الحكومات إلى التفكير في تنظيم الفضاء الرقمي، في محاولة للحد من التلاعب بالمعلومات والتأثير الخارجي على الرأي العام.
وأشارت المجلة إلى أن الحرب تعكس أيضًا تحولات داخلية في الولايات المتحدة، حيث برزت خلال السنوات الأخيرة تيارات شعبوية وأيديولوجية أثرت بشكل مباشر في توجهات السياسة الخارجية.
لكن، وفق المجلة، فإن التجارب الممتدة منذ حرب العراق وحتى الحرب الحالية بدأت تثير تساؤلات أعمق داخل المجتمع الأمريكي حول جدوى التدخلات العسكرية واسعة النطاق، وكلفتها الاقتصادية والبشرية.
في المحصلة، خلصت المجلة إلى أن الحرب على إيران قد تمثل نهاية مرحلة من التدخلات الأمريكية الواسعة التي أعقبت الحرب الباردة، وبداية مرحلة جديدة تقوم على إعادة تموضع استراتيجي أكثر حذرًا.
ورجّحت أن تتجه الولايات المتحدة إلى تقليص التزاماتها الخارجية، والتركيز على أولويات ترتبط بقدراتها ومواردها، في ظل نظام دولي يتجه نحو مزيد من التنافس وتعدد مراكز القوة، دون ظهور وريث واضح للهيمنة العالمية.