شهد قطاع الصناعات الدفاعية الأمريكية خلال الأيام القليلة الماضية تطورًا لافتًا تمثّل في إعلان لوكهيد مارتن توسيع طاقتها الإنتاجية في عدد من البرامج العسكرية الأساسية، وفي مقدمتها الصواريخ الاعتراضية ومنصات القتال الجوي.
الإعلان جاء متزامنًا مع ترتيبات تعاقدية جديدة مع وزارة الدفاع الأمريكية، تتضمن رفع الإنتاج السنوي لمنظومات الدفاع الجوي من طراز PAC-3 MSE إلى مستويات غير مسبوقة، إلى جانب تثبيت وتيرة مرتفعة لتسليم طائرات F-35 خلال العام الجاري وما يليه. هذه الخطوة مثّلت مؤشرًا عمليًّا على إعادة ترتيب داخلية في أولويات الجاهزية العسكرية الأمريكية.
ووفق المعطيات المتاحة، تعمل الشركة على مضاعفة إنتاج الصواريخ الاعتراضية خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، عبر توسيع خطوط التصنيع، وزيادة عدد الموردين الفرعيين، وتسريع دورات الاختبار والتسليم. هذا التوسع جرى إدراجه ضمن إطار تعاقدي طويل الأمد، بما يسمح بضمان استمرارية الإنتاج بعيدًا عن تقلبات الطلب الظرفي.
في الوقت نفسه، حافظ برنامج F-35 على معدل تسليم مرتفع، مع خطط لتثبيت هذا الإيقاع بوصفه الحد الأدنى المقبول عملياتيًّا.
وبحسب مصدر دبلوماسي مطّلع على نقاشات جارية داخل دوائر التنسيق الدفاعي في وزارة الحرب الأمريكية، فإن رفع الإنتاج يُعتبر استجابة مباشرة لتقدير داخلي مفاده أن القدرة الصناعية باتت عنصرًا مركزيًّا في حسابات الأمن القومي الأمريكي.
ووفق ما أفاد به المصدر، خلال حديث خاص لـ"إرم نيوز"، فإن النقاشات تتركز على قابلية التعامل مع ضغط متزامن قد يصيب أكثر من مسرح خلال فترة زمنية قصيرة.
هذا التقدير يدفع إلى التعامل مع سلاسل التوريد، وتوافر الذخائر المتقدمة، وسرعة التعويض الصناعي كعناصر قرار لا تقل وزنًا عن الانتشار العسكري نفسه.
المصدر لفت أيضًا إلى أن التجربة العملية خلال الأعوام الماضية أظهرت أن الفجوة الأخطر تظهر في مرحلة ما بعد القرار السياسي، حين تصبح وتيرة الإنتاج عاملاً محدداً لسقف الحركة العسكرية. من هنا، جرى نقل النقاش من مستوى التخطيط العملياتي إلى مستوى القاعدة الصناعية، باعتبارها نقطة الارتكاز لأي تحرك لاحق.
وخلال الأشهر الأخيرة، كثّفت وزارة الحرب الأمريكية مراجعاتها مع كبار المتعاقدين الدفاعيين حول ما يُعرف بالقدرة على الإنتاج تحت الضغط، وهو ملف كان يعتبر كجزء من تقييم الجاهزية الاستراتيجية الشاملة.
في حين ألمح المصدر الدبلوماسي إلى أن اختيار الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية كمحور أساسي للتوسّع الإنتاجي يعكس طبيعة تصور الإدارة الأمريكية للصراعات المحتملة.
وتُستخدم هذه المنظومات لضبط المجال العملياتي، وحماية البنى الحيوية، وتوفير هامش تحرك للقوات المنتشرة أو الحليفة؛ إذ يعبّر التركيز عليها عن تقدير بأن الصدامات القادمة، في حال وقوعها، ستتطلب إدارة كثيفة للإيقاع النيراني، مع أولوية لتقليص الخسائر وتعقيد قرارات التصعيد لدى الأطراف المقابلة.
كذلك أوضح المصدر أن هذا التوجّه يرتبط بتوقع ضغوط زمنية عالية على القرار العسكري، حيث تصبح سرعة الإمداد واستمرارية المخزون عاملين حاسمين في استدامة أي مسار عملياتي، بغضّ النظر عن حجمه أو مدته.
في حين يعكس رفع الإنتاج انتقالاً إلى نمط جاهزية يفترض احتمال تزامن أزمات ذات مستويات مختلفة من الحدة. وهذا النمط يقوم على توزيع القدرة الصناعية بما يسمح بتلبية احتياجات متوازية دون إرباك داخلي.
ووفق المصدر، فإن التعامل مع هذا السيناريو يجري باعتباره الأكثر ترجيحاً في البيئة الدولية الراهنة، حيث تتداخل الملفات الأمنية والاقتصادية، وتتقلص الفواصل الزمنية بين الأزمات.
هذا التقدير يفسر سبب الإصرار على عقود طويلة الأمد، وعلى تحصين سلاسل التوريد من الاختناقات، وعلى تقليل الاعتماد على دورات إنتاج بطيئة.
وقد أظهرت النقاشات الجارية داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية تحولًا ملحوظًا في مقاربة إدارة المخزون، مع انتقال التركيز من تقليص الكلفة إلى ضمان الجاهزية العملياتية. هذا التحول انعكس في برامج الصواريخ الاعتراضية والذخائر المتقدمة، حيث بات يُعتبر حجم المخزون وسرعة تعويضه كجزء من القدرة القتالية نفسها.
ويذهب مارك إليسون، الخبير في اقتصاد الصناعات الدفاعية الأمريكية وبرامج التسلّح المتقدمة، إلى أن ما يجري داخل لوكهيد مارتن لا يمكن فصله عن إعادة تعريف العلاقة بين الدولة الأمريكية والمجمّع الصناعي العسكري. برأيه، فإن رفع الإنتاج يشير إلى انتقال فعلي من نموذج إدارة الكلفة إلى نموذج إدارة الاستدامة.
إليسون يلفت، خلال حديثه لـ"إرم نيوز"، إلى أن العقود طويلة الأمد التي رافقت التوسّع الإنتاجي تعكس رغبة واضحة في تثبيت حد أدنى من الجاهزية الصناعية، بغضّ النظر عن التقلبات السياسية أو تغيّر الإدارات.
هذا التثبيت من وجهة نظره، يمنح واشنطن هامش قرار أوسع في السياسة الخارجية، لأنه يقلل من اعتمادها على قرارات طارئة داخل الكونغرس أو على دورات تمويل استثنائية. النتيجة هنا تتيح قدرة أعلى على التحرك عند الضرورة من دون ارتباك داخلي.
من زاوية أوسع، يَعتبر إليسون أن التركيز على برامج محددة داخل لوكهيد مارتن يكشف عن وعي متزايد بأن التفوق العسكري الأمريكي بات يُقاس بقدرة الصناعة على تعويض الاستهلاك بسرعة.
من جانبها رأت هيلين كراوفورد، محللة السياسات الأمنية والباحثة في برامج الطيران العسكري وأنظمة الردع، أن ما يلفت في توسّع إنتاج لوكهيد مارتن هو طبيعته الانتقائية. فاختيار برامج بعينها للتوسّع يعكس قراءة دقيقة لطبيعة الصراعات المحتملة، حيث تصبح السيطرة على المجال الجوي وإدارة التهديدات الصاروخية عناصر مركزية في أي معادلة عسكرية حديثة. هذا الاختيار، برأيها، ينطلق من افتراض بيئة أمنية مضغوطة تتطلب جاهزية مرنة وقابلة للتكيّف.
كراوفورد أشارت، خلال حديثها لـ"إرم نيوز"، إلى أن واشنطن، عبر هذا المسار، تعيد توزيع أوزان القوة داخل بنيتها العسكرية. فبدلاً من التركيز على التوسّع العددي، يجري الاستثمار في أدوات تسمح بإدارة التوترات ومنعها من الانزلاق خارج السيطرة. هذا التوجّه يمنح صانع القرار الأمريكي خيارات متعددة، تبدأ بالدعم غير المباشر، ولا تنتهي بالتدخل المحدود عند الحاجة.
وأضافت أن رفع الإنتاج بهذه الطريقة يخلق واقعاً جديداً في ميزان الردع، فوجود قدرة صناعية جاهزة يخفف من الضغوط السياسية المصاحبة لأي تحرك، ويجعل القرار العسكري أقل ارتباطاً بحسابات الوقت وأكثر ارتباطاً بتقدير المصلحة.