حذر محللون من أن سوء تقدير إيران لميزان القوى وتغير قواعد التفاوض، قد يدفعها إلى مواجهة كارثية مع واشنطن؛ إذ تراهن طهران على أن الدبلوماسية ستمنع التصعيد، بينما يتزايد خطر الانفجار الإقليمي.
في فبراير 2022، كان النظام الإيراني على وشك الإعلان عن اتفاق نووي محتمل مع الولايات المتحدة وأطراف أخرى في المفاوضات، لكن اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية قلب كل الحسابات.
وحينها، كان المسؤولون الإيرانيون يعتقدون أن أزمة الطاقة الأوروبية وانقسامات الغرب ستعزز موقع طهران التفاوضي، لكن مع مرور الوقت، تبيَّن أن رهاناتهم كانت خاطئة، وأن إيران خسرت فرصة لتخفيف بعض العقوبات في عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، بحسب "فورين بوليسي".
ويرى المحللون أن هذا الانحراف في تقدير الواقع ليس حادثًا معزولًا، بل يُظهر نمطًا متكررًا في الاستراتيجية الإيرانية؛ إذ أشار المسؤولون المشاركون في المفاوضات الحالية إلى فجوة متنامية بين فهم طهران للمفاوضات وأساليب واشنطن الحديثة.
ووصف دبلوماسي هذا الوضع بأنه "فجوة في السرعة الزمنية"، مؤكدًا أن التأخير في اتخاذ القرار قد يؤدي إلى اندلاع الحرب قبل أن تتمكن إيران من استخدام نفوذها التفاوضي.
السبب الرئيس للفشل ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل سوء قراءة إيران لخطوات الطرف الآخر وتقديرها الخاطئ للوقت؛ فالإدارة الأمريكية الحالية، بقيادة ترامب، تبحث عن انتصارات سريعة ومرئية، وليس لديها صبر استراتيجي طويل الأمد.
كما أكّد الدبلوماسي؛ ما يعني أن أي محاولة من طهران لإطالة أمد المفاوضات حتى الانتخابات الأمريكية قد تكون خطأً قاتلًا لأن صبر واشنطن قد ينفد قبل أن تحقق إيران أهدافها.
وخلال حرب الـ12 يومًا في يونيو 2025، تعلمت طهران درسًا قاسيًا؛ فبينما اعتقد المسؤولون الإيرانيون أن أي هجوم إسرائيلي سيقتصر على المنشآت النووية، وأن التوقيت سيكون بعد الجولة السادسة من المفاوضات في مسقط.
لكن الهجوم جاء مفاجئًا، مستهدفًا البنية التحتية العسكرية العليا، وأدى إلى تدمير جزء كبير من قدرات إيران النووية، وقد جاء تدخل الولايات المتحدة المباشر في نهاية الحرب، بما في ذلك الضربات على المنشآت النووية، ليعكس أن طهران لم تكن تتوقع الخطوات الأمريكية.
وبعد انتهاء الحرب بوقف إطلاق النار، ظلت إيران تتعامل مع المفاوضات كما لو أن الظروف السابقة ما زالت قائمة، معتمدة على أدوات قديمة لم تعد صالحة.
ويعتقد مراقبون أن الاستراتيجية القديمة لإيران لم تعد تتناسب مع الواقع الحالي، خاصة مع المطالب الأمريكية الجديدة التي تشمل قيودًا على الصواريخ الباليستية والنشاط الإقليمي، إلى جانب البرنامج النووي.
وفي حين تستمر إيران في التفاوض وكأن العالم لم يتغير، فإن واشنطن تتعامل مع الواقع الجديد بكل جدية، بما في ذلك نشر حاملتي طائرات وتعزيزات عسكرية كبيرة في الشرق الأوسط.
والواقع أن إيران قد خلطت بين العرض التفاوضي والضغط العسكري، معتبرة أن تحركات واشنطن العسكرية تهدف فقط إلى الضغط وليس الاستعداد للصدام الكامل.
ويكمن الخطر في أن طهران وواشنطن تشتركان في وهم متبادل؛ فكل طرف يعتقد أن الآخر سيتراجع أولًا؛ ما يهدد بأن أي مواجهة غير مقصودة قد تكون نتائجها كارثية، ليس لأن أحد الطرفين يريد الحرب، بل لأن كل طرف يعتقد أنه يفهم الطرف الآخر بشكل كامل.