أكد الدبلوماسي الروسي السابق، ألكسندر زاسبكين، أن التصريحات الصادمة للمفكر الاستراتيجي سيرغي كاراغانوف بشأن "الفناء الجسدي لأوروبا" لا تمثل تهديدا نوويّا مباشرا أو إعلانا وشيكا باستخدام السلاح النووي.
ويرى زاسبكين أن هذه التصريحات تندرج ضمن "تصعيد فكري وسياسي مدروس" تتبناه النخبة الروسية، ويهدف بالدرجة الأولى إلى دق ناقوس الخطر في العواصم الأوروبية، وتنبيهها لخطورة المسار الحالي للصراع بعيداً عن التهديد العسكري الفعلي.
وكان سيرغي كاراغانوف، أحد أبرز منظّري السياسة الخارجية في روسيا والمقرّب من الرئيس فلاديمير بوتين، قد حذر من أن موسكو قد تلجأ إلى استخدام الأسلحة النووية ضد أوروبا في حال وجدت نفسها على وشك الهزيمة في الحرب الدائرة في أوكرانيا.
وكشف زاسبكين في حوار مع "إرم نيوز" أن كاراغانوف ينطلق من رؤية تعتبر أن النخب الحاكمة في أوروبا فقدت الإحساس بعواقب الحرب، وأنها تتعامل مع الصراع مع روسيا بمنطق المغامرة السياسية، دون إدراك لحجم المخاطر الوجودية التي قد تترتب على استمرار هذا المسار.
وأشار الدبلوماسي الروسي السابق إلى أن التلويح بالسلاح النووي في الخطاب الروسي الراهن يُستخدم كأداة ردع نفسية واستراتيجية، لا كخيار عملي مطروح على الطاولة في الوقت الحالي، مؤكدا أن الهدف من رفع حدة الخطاب هو منع الوصول إلى لحظة يصبح فيها استخدام القوة القصوى أمرا حتميا.

قبل أيام، قال سيرغي كاراغانوف بوضوح: "إذا اقتربت روسيا من الهزيمة، ستنتهي أوروبا جسديا".. ما دلالات هذا التصريح؟
هذا التصريح يعكس موقفا فكريا وسياسيا متشددا تجاه النخب الحاكمة في أوروبا أكثر مما هو تهديد نووي مباشر بالمعنى التقليدي، خاصة وأن كاراغانوف ينطلق من قناعة راسخة بأن القادة الأوروبيين يتصرفون كمغامرين يدفعون القارة نحو مواجهة كبرى مع روسيا، وأن التحذير هنا موجه أساسا إلى عواقب الاستمرار في هذا المسار، الذي قد ينتهي في ظل الظروف الراهنة بانزلاق نحو حرب نووية عاجلا أم آجلا، وليس إعلانا فوريا لاستخدام هذا السلاح.
كلراغانوف انتقد حكومته نفسها، معتبرا أنها "حذرة وصبورة أكثر من اللازم" مع أوروبا.. هل يمكن اعتبار ذلك رسالة ضغط على الكرملين لتشديد التصعيد؟
يمكن فهم هذا النقد باعتباره محاولة للضغط الفكري والسياسي باتجاه تشديد الموقف الروسي، خاصة أن كاراغانوف يرى أن سياسة الصبر الطويل قد تُفسّر أوروبيًا على أنها ضعف أو تردد، وهو ما يشجع على مزيد من التصعيد الغربي.
لذلك يدعو إلى إجراءات أكثر صرامة وجدية لإرسال رسائل واضحة إلى أوروبا، ليس بالضرورة عسكرية مباشرة، ولكن مقنعة بما يكفي لوضع حد لما يسميه "الجنون السياسي" السائد في العواصم الأوروبية.
برأيك.. هل يرى كاراغانوف أن الخوف الأوروبي من الحرب أصبح سلاحا يجب إحياؤه قبل أي مفاوضات، خاصة وأنه قال إن الأوروبيين "نسوا الحرب"؟
بالتأكيد.. كاراغانوف يكرر فكرة أن الشعوب الأوروبية "نسيت الحرب" ونتائجها الكارثية، وأن هذا النسيان سمح لحكامها بالتصرف بتهور سياسي وعسكري.
ومن وجهة نظره، إعادة إحياء هذا الخوف ليست هدفا بحد ذاته، بل وسيلة لإجبار النخب الأوروبية على العودة إلى منطق العقلانية والتفكير في العواقب قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة.
رغم تهديده بالفناء، كرر كاراغانوف عبارة: "نأمل دون استخدام السلاح النووي".. كيف يجتمع الأمل في تجنب النووي مع التلويح الصريح به؟
هنا تكمن المفارقة المقصودة في خطاب كاراغانوف، فهو لا يدعو حتما إلى استخدام السلاح النووي، بل يوظّف التلويح به كأداة ردع نفسية وسياسية قصوى، وأن الفكرة الأساسية هي أن اتخاذ إجراءات صارمة ومقنعة اليوم قد يمنع الانزلاق غدا إلى مواجهة نووية فعلية، أي أن التصعيد اللفظي يهدف إلى تجنب التصعيد العسكري النهائي.
تم وصف العقوبات الغربية على روسيا بأنها "نعمة استراتيجية وثقافية".. هل هذا تقييم واقعي خاصة في ظل محاولات تقليل أثر الضغوط الغربية أمام الرأي العام؟
هذا الوصف يحمل بعدا دعائيّا وفكريا في الوقت نفسه، فمن جهة، هو محاولة لإبراز قدرة روسيا على التكيّف وتحويل الضغوط إلى فرصة لإعادة بناء استقلالها الاقتصادي والثقافي. ومن جهة أخرى، يهدف الخطاب إلى تقليل الأثر النفسي للعقوبات على الرأي العام الروسي، ودمجها ضمن سردية صراع حضاري أوسع مع الغرب، وليس مجرد أزمة اقتصادية عابرة.
كاراغانوف وصف هزيمة روسيا بأنها "وهم خيالي" نابع من العجز الفكري لقادة أوروبا.. إلى أي مدى يعكس هذا تمهيدا نفسيا لتبرير أي تصعيد قادم؟
إلى حد كبير، نعم.. هذا النوع من الخطاب يرسّخ قناعة بأن أي رهان أوروبي على هزيمة روسيا هو رهان غير واقعي وخطير في آن واحد. وبالتالي، فإن استمرار السياسات الحالية سيقود وفق هذا المنطق إلى نتائج كارثية، وهذا التوصيف يهيئ الرأي العام لتقبل خيارات أكثر تشددا باعتبارها دفاعية وضرورية، لا عدوانية أو توسعية.
في تصريحات سابقة، كاراغانوف تحدث عن خفض عتبة استخدام السلاح النووي كأداة ردع.. هل ما نسمعه اليوم يمثل تمهيدا لتنفيذ عملي؟
ليس بالضرورة تمهيدا مباشرا، لكنه جزء من نقاش استراتيجي أوسع داخل النخبة الفكرية الروسية، خاصة أنه لا يزال يستخدم هذا الطرح للضغط النفسي والاستراتيجي، ولإقناع الخصوم بأن الاستهانة بالخطوط الحمراء الروسية قد تكون مكلفة للغاية، لذلك فإن الهدف الأساسي يظل الردع ومنع التصعيد، لا الذهاب فعليًّا إلى التنفيذ.
عندما يقول كاراغانوف إن "أوروبا قد تتوقف عن الوجود" فهو لا يتحدث بلغة دبلوماسية تقليدية.. هل نحن أمام مفكر يعبّر عن رأيه الشخصي فقط؟
كاراغانوف مفكر استراتيجي قريب من دوائر صنع القرار، وليس مسؤولا رسميًا، لكنه لا يتحدث من فراغ، وخطابه ينسجم إلى حد كبير مع النهج الروسي العام، مع تركيز أكبر على مخاطبة الرأي العام العالمي، خاصة الشعوب الأوروبية. فهو يحاول إيصال رسالة مفادها أن المشكلة ليست مع أوروبا كشعوب، بل مع سياسات حكامها، وأن إيجاد حل حتى لو بدا راديكاليًّا بات ضرورة لتفادي كارثة كبرى.