في قلب الأزمة الإيرانية وتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي "الناتو"، تندلع حرب أخرى أكثر هدوءا لكنها لا تقل أهمية: من يمسك بزمام إعادة التسليح الأوروبي الكبير؟.
هل هي واشنطن عبر حلف الأطلسي، أم بروكسل عبر مؤسسات الاتحاد الأوروبي؟ وخلف هذا السؤال تتصادم رؤى استراتيجية، ومصالح صناعية، وحسابات سياسية تعكس أعمق تناقضات المعسكر الغربي.
في 26 آذار/ مارس الماضي، أعلن أمين عام الناتو مارك روته أن التحالف يدخل عام 2026 "من موقع قوة" بعد أن حقق جميع الحلفاء العام الماضي للمرة الأولى منذ عشر سنوات العتبة المحددة للإنفاق الدفاعي البالغة 2% من الناتج المحلي الإجمالي.
خلال عام 2025 وحده، أنفق الحلفاء الأوروبيون وكندا ما مجموعه 574 مليار دولار على الدفاع. وبين عامي 2014 ونهاية 2025، ضاعفوا أكثر من مرتين ميزانياتهم الدفاعية السنوية بارتفاع حقيقي بلغ 106%.
لكن هذا الرقم لم يُهدئ ترامب، صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية أوردت كيف أن الرئيس الأمريكي وصف حلفاءه بـ"الجبناء" واتهم الناتو بأنه "نمر من ورق" بسبب رفضهم المشاركة في تأمين مضيق هرمز، مشيرة إلى أنه ليست هذه المرة الأولى منذ عودته إلى البيت الأبيض.
بحسب معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (IRIS) في آذار/ مارس 2025، اقترحت المفوضية الأوروبية خطة (ReArm Europe) لإعادة التسليح، برنامج يتيح تعبئة قرابة 800 مليار يورو، منها 150 مليارًا في شكل قروض للدول الأعضاء السبعة والعشرين.
أعيدت تسميته لاحقاً (Readiness 2030)، ويهدف إلى إعادة بناء القدرات العسكرية والصناعية للاتحاد بحلول نهاية العقد، وفي كانون الثاني/ يناير 2026، أعلنت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لايين عن تجديد استراتيجية الدفاع الأوروبية.
قرار صيف 2025 برفع الإنفاق العسكري لدول الناتو إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مع 1.5% إضافية للدفاع الهجين، ليصل الإجمالي إلى 5% بحلول 2035، وُصف بأنه "خطوة محورية لتعزيز الدفاع الأوروبي، غير أن التمويل الفعلي لهذه الطموحات بقي موضع تساؤل خاصة مع تباطؤ النمو الاقتصادي في ألمانيا، وديون فرنسا الهائلة، والاقتصاد الضعيف للمملكة المتحدة.
اليوم "معظم الدول الأوروبية تعتمد أساساً على الولايات المتحدة لردع أي عدو محتمل، الاعتماد على الناتو يعني الاعتماد على الولايات المتحدة، وبالتالي على دونالد ترامب"، كما يؤكد موقع "لوبينيون" الفرنسي.
ويوضح أنه في ظل "عدم قدرة التنبؤ تجاه الرئيس الأمريكي تدفع أوروبا بشكل متزايد للتفكير في استقلاليتها الاستراتيجية"، حيث تلقى دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 2024 "لبناء أوروبا قادرة على إثبات أنها لن تكون أبداً تابعة للولايات المتحدة" صدى أوسع اليوم.
في مايو 2025، قدّر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية تكلفة "ناتو بدون الولايات المتحدة" بـ1000 مليار دولار على مدى 25 عاماً.
كما خلصت دراسة مشتركة لمعهد بروغل البلجيكي ومعهد الاقتصاد العالمي في كيل الألماني، إلى أن أوروبا ستحتاج 300 ألف جندي إضافي وزيادة سنوية في الإنفاق العسكري لا تقل عن 290 مليار دولار لردع أي هجوم روسي.
لكن الخبير الفرنسي أوليفييه دوزون كان صريحا وقال في مقابلة مع موقع لوديبلومات: "أوروبا تواصل خداع نفسها. في كل أزمة كبرى، تخترع لنفسها يقظة استراتيجية، واستقلالاً مستعاداً، ومصيراً كقوة كانت قد نسيت تجسيده".
وأشار إلى أن الإعلان المشترك لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي ماكرون حول إرسال 15000 جندي فرنسي-بريطاني لأوكرانيا يندرج في هذا الإطار " كلام قوي لإخفاء ضعف الحقائق".
ويضيف الخبير: "بدون إعادة تسليح ضخمة، وبدون إرادة سياسية معلنة، وبدون قطيعة مع ثلاثين عاماً من الراحة الاستراتيجية، ستبقى أوروبا محمية مستعمرة طوعاً".
كما لخصت نيكول غنيسوتو، الخبيرة في الشؤون الجيوسياسية ونائب رئيس معهد جاك ديلور: "الناتو يبقى المنتدى الأول لدفاع أوروبا، بينما تتولى السياسة الدفاعية الأوروبية إدارة الأزمات خارج أوروبا". وتؤكد: "الشرط الحقيقي لكي تكون أوروبا فاعلاً عسكرياً فعالاً هو موافقة الدول الأعضاء على ذلك. ما ينقص كثيراً هو الإرادة السياسية وليس القدرات".
السفير الألماني السابق في واشنطن وولفغانغ إيشينغر يحذر: "لنكن واضحين: انسحاب القوات الأمريكية من أوروبا سيكون لروسيا انتصاراً استراتيجياً. دفع الولايات المتحدة خارج أوروبا هو الهدف الاستراتيجي الرئيسي للكرملين منذ الحقبة السوفيتية".
في نهاية المطاف، أوروبا تواجه معادلة مؤلمة: ناتو لا تثق به بالكامل لأنه يعتمد على ترامب غير المتوقع، وتحالف أوروبي لا تملك له بعد الموارد والإرادة السياسية الكافية.