في خطوة تعكس استمرار أهمية التأثير الإعلامي في الحسابات السياسية داخل البيت الأبيض، تكثف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جهودها لإعادة ترميم العلاقة مع مقدم البودكاست الشهير جو روغان، رغم تصاعد الخلاف بين الطرفين بشأن ملف الحرب على إيران.
وبحسب ما أوردته مصادر مطلعة لموقع "أكسيوس"، فإن ترامب ومسؤولين في إدارته يتحركون منذ أشهر خلف الكواليس لتعزيز التواصل مع روغان، الذي يُعد أحد أكثر الأصوات الإعلامية تأثيرًا بين فئة الشباب في الولايات المتحدة، ويُنظر إليه كعامل حاسم في حشد جزء من قاعدة الناخبين خلال الانتخابات الأخيرة.
وشهد المكتب البيضاوي، يوم السبت، ظهورًا غير متوقع لجو روغان إلى جانب الرئيس ترامب خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي يتعلق بتسريع مراجعة المواد المخدرة ذات الاستخدامات الطبية، وعلى رأسها مادة "الإيبوجين"، التي تُجرى حولها أبحاث لعلاج اضطرابات الإدمان والأمراض النفسية.
وخلال الفعالية، ظهر روغان محاطًا بكل من وزير الصحة والخدمات الإنسانية روبرت ف. كينيدي جونيور، والرئيس التنفيذي لمنظمة "أمريكيون من أجل الإيبوجين" دبليو برايان هوبارد، في مشهد عكس تقاطعًا لافتًا بين السياسة والإعلام وقضايا الصحة العامة.
وتشير المعلومات إلى أن العلاقة بين ترامب وروغان لم تنقطع رغم التوترات الأخيرة، إذ تحدّث مساعدون عن تواصل "متكرر" بين الطرفين خلال الفترة الماضية.
كما التقى نائب الرئيس جيه. دي. فانس بروغان خلال فعالية لجمع التبرعات في مدينة أوستن، حيث يقيم الأخير، فيما ظهر وزير الصحة روبرت ف. كينيدي جونيور في برنامج روغان في فبراير الماضي، في إطار سلسلة تحركات تهدف إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة.
وفي السياق ذاته، أدَّت المستشارة كالي مينز، المقربة من كينيدي والمعروفة بدعمها للعلاجات النفسية البديلة، دورًا إضافيًّا في تعزيز هذا التقارب بعد ظهورها السابق في برنامج روغان عام 2024.
ويُعد ملف "الإيبوجين" محورًا أساسيًّا في هذا التقارب، إذ يُعرف روغان بدعمه العلني للعلاجات القائمة على المواد المهلوسة، والتي يرى أنها قد تسهم في معالجة الإدمان واضطرابات الصحة النفسية.
وبحسب ما تم تداوله، فقد قام روغان بإرسال معلومات مباشرة إلى ترامب حول المادة، قبل أن يتلقى ردًّا نصه: "يبدو الأمر رائعًا. هل تريد موافقة إدارة الغذاء والدواء؟ هيا بنا نفعل ذلك"، في إشارة إلى استعداد سياسي لدفع الملف قدمًا.
وبموجب الأمر التنفيذي الجديد، سيتم تسريع مراجعات إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لهذه المواد، إلى جانب تخصيص 50 مليون دولار لدعم الأبحاث المتعلقة بالإيبوجين وتوسيع نطاق الدراسات الفيدرالية حولها.
وتشير روايات داخلية إلى أن مسار هذا التقارب تسارع خلال فعالية لرياضة الفنون القتالية المختلطة (UFC) في ميامي، حيث كان روغان حاضرًا بصفته معلقًا، بينما تواصل ترامب مع الدكتور محمد أوز، المسؤول عن مراكز الرعاية الصحية، بشأن ملف الإيبوجين.
وبعد تلك الليلة، انخرط كل من كينيدي وأوز في صياغة ملامح الأمر التنفيذي الذي تم توقيعه لاحقًا، فيما التقى ترامب بروغان على هامش الفعالية في مشهد عكس دفء العلاقة الشخصية بينهما.
ورغم هذا التقارب، يبقى ملف الحرب على إيران نقطة خلاف بارزة بين الطرفين. فقد وجّه روغان انتقادات حادة للسياسة الأمريكية الأخيرة، معتبرًا أن تصعيد العمليات العسكرية يتناقض مع وعود ترامب الانتخابية بعدم الدخول في حروب جديدة.
وقال روغان في أحد تعليقاته: "أنتم تطلقون الصواريخ على المدن وتفجرون كل شيء… ما الذي نفعله بحق الجحيم؟ كيف يستمر هذا الوضع؟"، مضيفًا أن كثيرًا من الناخبين يشعرون بـ"الخيانة".
من جهته، لم يتردد ترامب في التعليق على مواقف روغان خلال مراسم التوقيع، قائلًا إنه "أكثر ليبرالية قليلًا" منه، في إشارة إلى تباين وجهات النظر رغم استمرار العلاقة.
وفي المقابل، يرى مساعدون داخل البيت الأبيض أن روغان يختلف عن شخصيات إعلامية أخرى مثل تاكر كارلسون، إذ يتمتع -بحسب وصفهم- بمزيج أقل أيديولوجية وأكثر تنوعًا في اهتماماته.
وبينما تتواصل الخلافات حول السياسة الخارجية، خصوصًا إيران، يبدو أن الطرفين غير مستعدين لقطع العلاقة، خاصة في ظل إدراك متبادل لأهمية التأثير الإعلامي والسياسي الذي يمثله روغان داخل الشريحة الشبابية.
وتشير تقديرات إلى أن نحو 33% فقط من الرجال بين 18 و29 عامًا يوافقون على أداء ترامب؛ ما يجعل الحفاظ على قنوات التواصل مع مؤثرين، مثل: روغان، جزءًا من إستراتيجية أوسع لإعادة بناء الدعم داخل هذه الفئة.
وبذلك، يبقى التقارب بين ترامب وجو روغان مزيجًا من السياسة والإعلام والملفات الصحية المثيرة للجدل، في علاقة معقدة تجمع بين الخلاف والتنسيق في آن واحد.