logo
العالم

ترامب يزاحم بوتين.. "السلطة المطلقة" تنتقل من الكرملين إلى البيت الأبيض

لقاء سابق بين ترامب وبوتين في ألاسكاالمصدر: أ ف ب

يبرز مشهد دولي جديد تُعيد فيه الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية، تعريف دورها على الساحة العالمية بأسلوب أقرب إلى منطق القوة المجردة، وهو ما كان يُنسب تقليديًا إلى روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين. 

أخبار ذات علاقة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

قائد "الحرب والسلام".. ترامب يفكك عالم ما بعد 1945 في عام واحد

ووفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، فإنه على مدى سنوات، اعتاد بوتين أن يكون المثال الأوضح لدولة تتدخل في شؤون الآخرين، وتدير الصراعات بقبضة أمنية واستخباراتية، وتغامر عسكريًا لتحقيق مكاسب جيوسياسية.

لكن المشهد تغيّر مع إدارة أمريكية تتصرف، وفق محللين، بعقلية صفقاتية لا تعترف بالكثير من الضوابط، من التدخل في ملفات حساسة إلى التلويح باستخدام القوة أو فرض الأمر الواقع. 

المفارقة أن هذه المقاربة التي طالما خدمَت مصالح موسكو حين صدرت عنها، قد تتحول الآن إلى مصدر تهديد لنفوذها عندما تصدر عن واشنطن.

التحركات الأمريكية الأخيرة، وعلى رأسها الأزمة التي أثارها ترامب بشأن غرينلاند، كشفت عن ميل متزايد لتحدي الأعراف الدولية والتحالفات التقليدية. فالدعوة العلنية للسيطرة على إقليم يتمتع بحكم ذاتي ويتبع دولة حليفة في حلف شمال الأطلسي، ثم التراجع التكتيكي تحت ضغط الأسواق، لم تُنهِ الأزمة، بل فتحت شرخًا داخل الناتو وأعادت طرح سؤال قديم: إلى أي مدى ما زالت الولايات المتحدة ملتزمة بالنظام الذي أسسته بعد الحرب العالمية الثانية؟.

حسابات موسكو

في موسكو، استُقبل هذا المسار بمزيج من الابتهاج والحذر. فمن جهة، يرى الكرملين في تصاعد التوتر بين واشنطن وأوروبا مكسبًا استراتيجيًا طال انتظاره، إذ لطالما سعى إلى إضعاف التحالف العابر للأطلسي. ومن جهة أخرى، يدرك بوتين أن عالمًا بلا قواعد واضحة قد لا يكون بالضرورة في مصلحة روسيا، لأن ميزان القوة الصافي يميل لصالح الولايات المتحدة، عسكريًا واقتصاديًا وتقنيًا، بحسب ما ورد عن الصحيفة الأمريكية. 

يونا هيل، المسؤولة السابقة عن الشأنين الروسي والأوروبي في مجلس الأمن القومي الأمريكي، تلخّص هذه المفارقة بقولها: إن اللحظة الراهنة "مليئة بالوعود والمخاطر" بالنسبة لبوتين.

 والرئيس الروسي الذي استفاد طويلًا من كسر القواعد قد يجد نفسه أمام رئيس أمريكي يسعى إلى "مزايدة بوتينية"، مستخدمًا أدوات نفوذ لا تستطيع موسكو مجاراتها، من السيطرة على شركات التكنولوجيا العملاقة إلى التأثير العميق في شبكات التجارة العالمية.

أخبار ذات علاقة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين

غرينلاند مقابل كييف.. ما أسرار "الصفقة المخيفة" بين ترامب وبوتين؟

رهان أوكرانيا

ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، بدا واضحًا أن الكرملين يراهن على إدارة أكثر ودًّا لتحقيق مكاسب في الملف الأوكراني. فموسكو تحاول حصد ثمار علاقة متجددة مع واشنطن من دون التنازل عن مطالبها الأساسية، خصوصًا ما يتعلق بالأراضي والنفوذ الأمني. غير أن هذا الرهان فرض على بوتين سياسة "ضبط النفس" في ملفات أخرى، تجنبًا للاصطدام المباشر مع البيت الأبيض.

هذا السلوك ظهر جليًّا في صمت بوتين إزاء التطورات في فنزويلا، سواء بعد التدخل العسكري الأمريكي أو اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وكذلك عند مصادرة ناقلة نفط روسية في الأطلسي.

 كما التزم الكرملين موقفًا محدودًا حين شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، مكتفيًا ببيانات سياسية من دون ترجمتها إلى خطوات عملية.

استثمار سياسي

في المقابل، ذكرت "نيويورك تايمز" أن بوتين لم يتردد في توجيه انتقادات للدنمارك على خلفية ملف غرينلاند، معتبرًا أن كوبنهاغن تعاملت مع الإقليم "كمستعمرة"، في خطوة فُسرت على أنها استثمار سياسي للأزمة بما يخدم سردية روسية قديمة عن ازدواجية المعايير الغربية.

لكن التحدي الأعمق بالنسبة لموسكو لا يكمن في هذه الملفات المتفرقة، بل في الصورة الكبرى: عالم تتراجع فيه القواعد لصالح منطق القوة، وتتنافس فيه الولايات المتحدة والصين على القمة، فيما تحاول روسيا الحفاظ على موقعها لاعبًا رئيسيًا.

ويشير محللون إلى أن هذا الواقع يفرض على بوتين التفكير في حدود قدرة بلاده على مواكبة سباق النفوذ، خاصة إذا قررت واشنطن توسيع حضورها العسكري والاقتصادي في مناطق تعتبرها موسكو تقليديًا ضمن مجال مصالحها. 

أخبار ذات علاقة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الفلسطيني محمود عباس

روسيا: مستعدون لدعم الشعب الفلسطيني بمليار دولار من "الأصول المجمدة"

فخ تقليص النفوذ

وتتجلى هذه المعضلة أيضًا في دعوة ترامب لبوتين للانضمام إلى ما يسمى "مجلس السلام"، وهي فكرة قد تبدو مغرية ظاهريًا، لكنها تحمل في طياتها احتمال تقليص الوزن الرمزي والسياسي لمقعد روسيا الدائم في مجلس الأمن الدولي. لذلك، جاء الموقف الرسمي الروسي حذرًا، مكتفيًا بالإشارة إلى "دراسة" المقترح من دون التزام واضح.

في الخلاصة، يكشف المشهد الراهن عن مفارقة لافتة: السياسات الأمريكية التي طالما انتقدتها موسكو بوصفها هيمنة أحادية، باتت تُمارَس اليوم بأسلوب أكثر حدّة، ما يمنح الكرملين مكاسب تكتيكية، لكنه يضعه في مواجهة منافس قادر على اللعب بالقوة نفسها، وربما بفاعلية أكبر.

وبينما يسعى ترامب إلى توسيع النفوذ الأمريكي من غرينلاند إلى أمريكا اللاتينية، يبدو أن روسيا مضطرة لإعادة حساباتها في عالم لم يعد يحتمل لاعبًا واحدًا يتقن لعبة السلطة المطلقة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC