أكد خبراء في العلاقات الدولية أن رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتت ترتكز على صياغة نظام دولي مغاير تماماً للنموذج الذي أرسته واشنطن مع حلفائها الأوروبيين عقب الحرب العالمية الثانية. وتنطلق هذه الرؤية من قناعة ترامب بأن حلف شمال الأطلسي "الناتو" لم يعد كيانًا فاعلًا في مواجهة التحديات الأمنية العالمية المعاصرة.
وأوضح الخبراء في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن ترامب يعتمد مقاربات برغماتية في معالجة النزاعات الدولية، حيث يدير ملفات الأزمات بعقلية رجل الأعمال التي تزاوج بين المصالح التجارية والمالية للولايات المتحدة، وبين المكاسب السياسية لفريقه.
ويرون أن هذا النهج يهدف إلى تفكيك القواعد التقليدية للدبلوماسية واستبدالها بمنطق الصفقات، مما يضع استقرار المنظومة الدولية التي تشكلت منذ العام 1945 على المحك.
وخلال عام واحد من ولايته الثانية، نجح دونالد ترامب في خلخلة الأسس التي قام عليها نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، ذلك النظام الذي كرّس قيادة واشنطن للمعسكر الغربي عبر تحالف عضوي مع أوروبا، تجسد العام 1949 بتأسيس حلف شمال الأطلسي "الناتو.
وقد سمحت هذه المعادلة لواشنطن بفرض هيمنتها العسكرية والاستراتيجية والاقتصادية على القارة العجوز، مقابل "خطة مارشال" التي انتشلت أوروبا من أنقاض الدمار النازي.
وبعد عقود من قيادة واشنطن للأوروبيين في مواجهة الكتلة الشرقية إبان الحرب الباردة، أحدث ترامب قطيعة مع هذا الإرث. وبات الرئيس الجمهوري يتأرجح في سياسته بين الرغبة في تسويق نفسه كرجل سلام، وبين تبني أفكار صدامية تؤجج الخلافات مع الحلفاء التقليديين.
ويتجلى هذا التحول في تقاربه المثير للجدل مع عدو الأمس روسيا، وهو تفاهم يبدو أنه يتحقق على حساب الأمن القومي الأوروبي، خاصة في الملف الأوكراني، مما يضع القارة العجوز وجهاً لوجه أمام مصيرها خارج المظلة الأمريكية التقليدية.
ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، الدكتور نبيل ميخائيل، إن رؤية ترامب للنظام الدولي الذي أُقيم بعد الحرب العالمية الثانية، تقوم على اعتباره نظامًا يحتاج إلى تغيير، في وقت يعتبر فيه أن حلف شمال الأطلسي، ليس بالكيان الفاعل بالدرجة الكافية لحل القضايا الأمنية الدولية.
وأضاف ميخائيل في حديث لـ"إرم نيوز"، أن ترامب أنطلق من هذه القناعات وذهب ليعيد تعريف علاقة بلاده مع أوروبا، الحليف التقليدي والدائم للولايات المتحدة، كما جدد سياسة العداء تجاه الصين، وحاول في المقابل إرساء نوع من الوفاق مع موسكو، إلا أنه أخفق في ذلك، لعدم قدرته على حل أو إيقاف الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا.
واعتبر ميخائيل أن التأكيد على القومية الأمريكية يشكل أحد أبرز ملامح سياسة ترامب، ويتجلى ذلك في محاولته السعي لامتلاك جزيرة غرينلاند، إلى جانب الاهتمام بعدد من القضايا الاستراتيجية، وفي صدارتها الحصول على المعادن النفيسة والنادرة التي تُستخدم في الصناعات التكنولوجية المتقدمة.
وأوضح ميخائيل أن لهذه التوجهات القومة أيضا، مدلولات داخلية واضحة، من بينها إقامة جدار فاصل مع المكسيك، وهو ما يعكس تعريفًا مختلفًا لقضية الهجرة مقارنة بجميع الإدارات الأمريكية السابقة، فضلًا عن طرح مسألة منع الحصول على الجنسية عند ولادة طفل لأبوين غير أمريكيين.
وأشار أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن إلى أن القضية الأساسية تتمثل في مدى استمرار ترامب في تبني هذه السياسات خلال عام 2026، إضافة إلى احتمال بروز قضايا جديدة على جدول أعمال إدارته، لافتا إلى أنه قبل عام واحد فقط، لم يكن الاهتمام بإيران يتجاوز ملفها النووي، أما اليوم فإن القضية الأبرز باتت الاحتجاجات المتصاعدة داخلها، وهو ما قد يشكل ملفًا جديدًا في السياسة الدولية، حيث بات الوضع الداخلي في إيران مرشحا أن يشغل اهتمام الإدارة الأمريكية ومعها حكومات العالم.
وبدوره، يعتقد أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ديجون، الدكتور عبد الرحمن مكاوي، أن دونالد ترامب يمتلك مقاربات خاصة في ظل طريقته المميزة في معالجة النزاعات وتفكيك الألغام بعقلية رجل أعمال، ويحاول "المزاوجة" بين المصالح التجارية والمالية للولايات المتحدة، وبين مصالحه الشخصية هو وفريقه السياسي والحزب اليميني الذي ينتمي إليه.
ويرى مكاوي في حديثٍ لـ"إرم نيوز"، أن ترامب يجد وفق أسلوبه الخاص، ورغبته في أن يُطلق عليه رئيس السلام، أن حلحلة بعض النزاعات، تكون من خلال رفع سقف التهديدات تحت مبررات أمنية واستراتيجية، مع توفير شروطه المسبقة التي تتم بتخطيط مدروس.
وبين مكاوي أن ترامب من خلال عناصر العمل التي يقوم بها ما بين ما جرى في فنزويلا والتوجه الخاص في غرينلاند وتصرفات جيوستراتيجية أخرى، ليس بمثابة إعادة تشكيل النظام العالمي، ولكنه حراك يراه مطلوبا من منظوره، حتى لو كان ذلك يتعارض مع القواعد التي أرساها القانون الدولي.
وأشار مكاوي إلى أن ترامب نفسه أكد في أكثر من مناسبة أنه لا يعترف بالقانون الدولي بقدر ما يعترف بمنظومة على طريقته الخاصة وقناعاته، تملي عليه هذا النهج في التعاطي مع القضايا الدولية، وهي منظومة تنعكس في مقاربته الجيوسياسية والجيوستراتيجية لإدارة الصراعات والعلاقات بين الدول.
وتابع مكاوي بالقول، إن مقاربة ترامب لعلاقاته الأوروبية معقدة، حيث يحاول إضعاف القارة العجوز من جهة دون الوصول إلى تفجير الناتو، لأن ذلك ليس من مصلحة الولايات المتحدة استراتيجيا أو اقتصاديا، لافتا إلى أن هناك سوء فهم كبير بين الرئيس الجمهوري والقادة الأوروبيين ما بين عقلية رجل أعمال تصطدم مع نخبة أكثر عقلانية ولذلك فإن الأوروبيين سيحاولون الصبر عليه إلى حين نهاية ولايته ومجيء رئيس أمريكي آخر في الولاية المقبلة.