أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما سماه "اتفاقًا إطاريًا" يضمن المصالح الأمريكية في غرينلاند على المدى الطويل، وربَّما "إلى الأبد".
وبحسب "المعهد الملكي للشؤون الدولية"، فإن إعلان ترامب، يتكشف خلفه مسار أكثر تعقيدًا وخطورة، يتمثل في احتمال اعتماد واشنطن على إنشاء قواعد عسكرية ذات سيادة أمريكية داخل أراضي الجزيرة.
وبرى الخبراء أن هذا التوجه، وإن بدا كحل عملي لمخاوف الأمن الأمريكي في القطب الشمالي، فإنه يفتح بابًا واسعًا أمام نزاع قانوني ودبلوماسي طويل الأمد، يرتبط مباشرة بحق تقرير المصير الذي يتمتع به سكان الجزيرة.
ففكرة بيع غرينلاند أو نقل سيادتها الكاملة للولايات المتحدة تبدو مستحيلة قانونيًا في العصر الحديث، ولم يعد مقبولًا، وفق قواعد القانون الدولي، نقل أجزاء كبيرة من الأراضي بين الدول إذا عارض السكان المحليون ذلك.
والأهم أن غرينلاند ليست مجرد إقليم تابع، بل كيان يتمتع بوضع دستوري خاص قائم على حق تقرير المصير، وهو حق لا يمكن سحبه أو تجاوزه.
التسريبات حول "الاتفاق الإطاري" تشير إلى أن الحل المطروح لا يقوم على نقل الجزيرة بأكملها، بل على اقتطاع أجزاء محددة منها ومنح الولايات المتحدة سيادة مباشرة عليها، على غرار نموذج القواعد البريطانية في قبرص، لما احتفظت لندن بالسيادة على منطقتي أكروتيري وديكيليا عند استقلال قبرص عام 1960، وما زالت تديرهما حتى اليوم كقاعدتين عسكريتين.
غير أن هذا النموذج نفسه ظل محل جدل قانوني وسياسي لعقود؛ فرغم ادعاء بريطانيا امتلاك سيادة كاملة، تصر قبرص على أن صلاحيات لندن تقتصر على الوظائف العسكرية فقط، كما أن وجود سكان مدنيين داخل مناطق قواعد عسكرية فرض ترتيبات معقدة لتقديم الخدمات وتطبيق القوانين؛ ما يبرز هشاشة هذا النوع من "السيادة المجتزأة".
ويرى المحللون أن معظم اتفاقات القواعد العسكرية في العالم تُبقي السيادة للدولة المضيفة، مع تعليق مؤقت لممارسة الاختصاص القضائي، ولذلك فإن مطالبة ترامب بسيادة فعلية على أراضٍ داخل غرينلاند تمثل استثناءً غير مألوف، وتفرض على الدنمارك المرور بإجراءات دستورية معقدة، تشمل موافقة البرلمان على فقدان جزء من الإقليم.
وحتى لو وافقت كوبنهاغن، فإن المشكلة لا تنتهي؛ فنقل السيادة قبل أن يمارس شعب غرينلاند حقه الكامل في تقرير المصير عبر استفتاء على الاستقلال قد يُعد خرقًا للقانون الدولي، وهنا يبرز مثال أرخبيل تشاغوس، حين اقتطعت بريطانيا الجزر من موريشيوس قبل استقلالها، لكن بعد عقود، اعتبرت محكمة العدل الدولية هذا التصرف انتهاكًا لحق تقرير المصير، رغم وجود "موافقة" شكلية آنذاك.
ويعتقد مراقبون أن غرينلاند إذا أصبحت دولة مستقلة مستقبلًا، يمكنها المجادلة بأنها كانت لا تزال خاضعة لوضع استعماري فعلي عند نقل أي سيادة للولايات المتحدة، وبالتالي لم تعطِ موافقة قانونية صحيحة، وعندها، قد تطالب باستعادة أي أراضٍ نُقلت قبل الاستقلال.
هذا التناقض يضع أي سيادة أمريكية محتملة على القواعد موضع شك، خاصة في اللحظة التي تسبق أو تلي استقلال الجزيرة. وكان بالإمكان تفادي هذا المسار بالكامل عبر خيار أبسط: تثبيت حقوق استخدام القواعد الأمريكية بشكل دائم دون نقل السيادة، مع انتقال هذه الترتيبات تلقائيًا إلى الدولة الغرينلاندية المستقبلية.
لكن إصرار ترامب على منطق "السيادة الكاملة" يحوّل الاتفاق من ترتيب أمني إلى أزمة قانونية مؤجلة. قد يحقق مكسبًا سياسيًا سريعًا للإدارة الأمريكية، لكنه يزرع بذور نزاع طويل الأمد مع غرينلاند نفسها، ويترك أسئلة مفتوحة حول الشرعية والسيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.