logo
العالم

البيان الأوروبي حول مادورو… عجز أم حنكة سياسية؟

نيكولاس مادوروالمصدر: رويترز

اتسم بيان الاتحاد الأوروبي حول اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بحذر بالغ لا يتناسب مع طبيعة الحدث الصاخب الذي يقوض مبادئ القارة الرافضة لـ"تغيير الأنظمة بالقوة، والعمل على حل النزاعات سلميا"، كما تنص معاهدات تأسيسية مثل ماستريخت 1992.

البيان الذي حظي بتأييد جميع دول التكتل، باستثناء المجر، كتب بلغة دبلوماسية مطواعة تخلو من أية إدانة صريحة لما قامت به واشنطن، واكتفى بالدعوة إلى "احترام إرادة الشعب الفنزويلي"، مع التأكيد على التنسيق مع واشنطن.

ويرى خبراء أن واقعة اعتقال مادورو تفتح الباب أمام أسئلة تتعلق بطبيعة الدور الأوروبي، وبمدى قدرة القارة على صوغ مواقف مستقلة ومؤثرة، بعيدة عن واشنطن، وما إذا كان القانون الدولي قد تحول في الذهنية الأوروبية من "قاعدة ملزمة" إلى "أداة انتقائية".

أخبار ذات علاقة

مصفاة نفط فنزويلية

لا الدكتاتورية ولا "تهريب المخدرات".. ما الدافع الخفي خلف إسقاط مادورو؟

المظلة الأمنية

ولا يمكن فصل الموقف الأوروبي عن متطلبات الأمن، فرغم الثقل الاقتصادي "الهائل" للتكتل الأوروبي غير أنه لم ينجح في بناء مظلة أمنية مستقلة عن واشنطن التي تقدم نحو 70% من الإنفاق الدفاعي لحلف الناتو، الإطار الصلب للتحالف عبر الأطلسي، فضلًا عن الاعتماد الأوروبي على القدرات الأمريكية في مجال الاستخبارات والدفاع الجوي.

ومن هذه الزاوية، يلاحظ خبراء أن البيان الأوروبي "المهادن" يعد نوعا من "الحنكة السياسية"، تجنبا لأي اصطدام مع الولايات المتحدة، خصوصا في ظل إدارة ترامب التي يصعب التكهن بتصرفاتها وردود أفعالها.

ويتابع الخبراء بأن أية إدانة لعملية اعتقال مادورو، أو توصيف الواقعة بلغة خشنة، ستعمق شرخ التحالف عبر الأطلسي الذي يشهد، أساسا، أزمة ثقة على خلفية التباينات بشأن الملف الأوكراني والرسوم الجمركية، والإنفاق الدفاعي في إطار الناتو، وسواها من الملفات العالقة.

وتذهب بعض التحليلات إلى وصف الموقف الأوروبي حيال ما جرى في فنزويلا بـ "الانتهازية السياسية"، وهو نعت تعززه تجارب سابقة أظهرت "ازدواجية" في التعامل، فعند نشوب الحرب الأوكرانية في فبراير 2022 تبنى الاتحاد الأوروبي خطابا حاسما ضد موسكو، إذ وصف الحرب الروسية بأنها "انتهاك جسيم لميثاق الأمم المتحدة"، وفرض عقوبات غير مسبوقة على روسيا، وقدم دعما سياسيا وعسكريا واسعا لكييف، مع تشغيل الماكنة الإعلامية لإضعاف الرواية الروسية.

أما في حرب العراق عام 2003 فإن الاتحاد الأوروبي فشل في بلورة موقف موحد يدين الغزو الأمريكي الذي تم دون تفويض من مجلس الأمن، بينما في ليبيا عام 2011، فقد شاركت دول أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا، في تدخل عسكري تحت مظلة قرار أممي يهدف إلى حماية المدنيين، لكنه انتهى عمليا بتغيير النظام.

وبصرف النظر عن مدى صوابية المواقف الأوروبية بشأن هذه التجارب، فضلا عن التجربة الفنزويلية الحالية، فإنها تكشف، بحسب خبراء، أن أوروبا تتعاطى بانتقائية مع وقائع متشابهة، إذ تظهر الصرامة عندما يكون المنتهك خصما استراتيجيا (روسيا) فيما تبدي الكثير من المرونة والتفهم عندما يكون المنتهك حليفا (الولايات المتحدة).

أخبار ذات علاقة

مركز الاحتجاز الفيدرالي في نيويورك حيث يقبع الرئيس مادورو

السلطات الأمريكية تنقل مادورو إلى نيويورك لبدء محاكمته (فيديو)

"بروكسل" العاجزة

وفي سياق تفسير نبرة البيان الهادئة، لا يغفل الخبراء عن حقيقة الانقسام الذي يعاني منه الاتحاد الأوروبي الذي يفرض تبني صيغ لغوية مرنة تكون مقبولة، وتمثل القاسم المشترك الأدنى بين دول التكتل.

وكان لافتا أنه بالرغم من تعابير البيان "الناعمة"، إلا أنه لم يحظ بالإجماع، إذ امتنعت المجر عن تأييده في إجراء رمزي يؤكد الانقسام.

ورغم أن بروكسل تحاول في كل مناسبة إظهار قدر من الاستقلالية عن الولايات المتحدة، لكن هذا المسعى سرعان ما يتعثر عند أول اختبار ففي عام 2018، عارضت بروكسل انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي الإيراني، لكنها عجزت عن حماية الشركات الأوروبية من العقوبات الأمريكية.

وبهذا المعنى فإن بيان فنزويلا يمثل قرينة إضافية ضمن سياق سياسي يكاد يكون ثابتا، وهو أن الاتحاد الأوروبي قد يغرد قليلا خارج السرب الأمريكي، لكنه نادرا ما يكون مستعدا للمجازفة بتحالفه مع واشنطن وتسجيل مواقف تتعارض معها.

ويعرب الخبراء عن اعتقادهم بأن مثل هذه المواقف الأوروبية الضبابية والانتقائية يضعف، تدريجيا، الخطاب الأوروبي الذي يوظف مبادئ القانون الدولي "سياسيا"، وهو ما يمنح مبررات لخرقه من قبل قوى أخرى، بما يسمح بالانتقال من نظام دولي تحكمه القواعد إلى نظام تحكمه موازين القوة.

ويكشف البيان، من زاوية أعمق، عن إرباك في خطاب الاتحاد الأوروبي الذي لم يعد يأبه، بحسب خبراء، بالسياسات الصائبة، قانونيا، بل البحث عما هو ممكن سياسيا، فهذا البيان يمثل مؤشرا على تحول أوروبا من "الانخراط المسؤول في حل الأزمات إلى إداراتها فحسب".

كما يكشف البيان، بحسب خبراء، عن تراجع في مركزية الأمم المتحدة داخل التفكير الأوروبي، فمواثيق هذه المنظمة الأممية شكلت على الدوام بوصلة توجه سياسات القارة العجوز، لكن يبدو أن هذه البوصلة أصبحت معطلة، وهو ما عكسته لغة البيان الفضفاضة، المتجاهلة لتلك المواثيق.

أخبار ذات علاقة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

ماكرون يؤكد عدم موافقة فرنسا على طريقة إزاحة مادورو من الحكم

ويعلق الخبراء على هذه الجزئية بالقول إن "أخطر ما في البيان، ليس ما ورد فيه، بل ما أغفل عنه، بمعنى أن امتناع الاتحادالأوروبي عن توصيف ما جرى في فنزويلا بلغة قانونية واضحة وحاسمة، أثار شكوكا حول مدى التزام أوروبا بمواثيق وتعهدات المنظمة الأممية".

ومن البديهي أن البيان، بحسب خبراء، يضعف، كذلك، مصداقية الاتحاد الأوروبي في لعب دور الوسيط المقبول دوليا في أي نزاع مستقبلي، فالسجل الذي راكمه في هذا المجال بات يتعرض للتآكل والتراجع.

ويشدد الخبراء على أن لعب دور الوسيط النزيه يتطلب الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف واللاعبين، لكن يبدو أن أوروبا تغير قراءاتها حسب هوية اللاعب، إن كان خصما أو حليفا، فعندئذ تحدد تعابير ومفردات ونبرة البيان، وفق قاعدة "لكل مقام مقال".

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC