شكلت المناورات البحرية الأخيرة التي استضافتها جنوب أفريقيا، نقطة توتر جديدة مع واشنطن، بعد أن شاركت فيها إيران؛ ما كشفت عن صراع داخلي يخوضه الرئيس سيريل رامافوزا للحفاظ على استقلال بلاده الإستراتيجي.
وبحسب "نيويورك تايمز"، فإن التمارين، التي قادتها الصين وشارك فيها أعضاء آخرون من مجموعة "بريكس"، شهدت مشاركة إيران رغم أن الرئيس رامافوزا أصدر تعليمات بخفض مستوى مشاركة طهران إلى مراقب فقط.
وجاءت هذه المشاركة في وقت كانت فيه إيران تشهد مظاهرات واسعة، وقمعًا عنيفًا للمتظاهرين، حيث سقط آلاف القتلى، وبعد انتهاء التمارين، وجهت السفارة الأمريكية في بريتوريا انتقادات حادة لحكومة جنوب أفريقيا، متهمة إياها بأنها اختارت الوقوف إلى جانب نظام "يضطهد شعبه، ويمارس الإرهاب".
من جانبها حاولت جنوب أفريقيا التوضيح بأن الصين هي من نظَّمت المناورات وتولت دعوة الدول المشاركة، وأن بلادها اكتفت باستضافة التمارين في مياهها الإقليمية، غير أن هذا التوضيح لم يخفف من الانتقادات، خاصة بعد أن ظهرت هذه الأزمة باعتبارها الحادث الثاني خلال 6 أشهر، يتجاوز فيه الجيش الجنوب أفريقي تعليمات الرئيس بشأن إيران.
ففي أغسطس الماضي، زار الجنرال الأعلى للقوات المسلحة الجنوب أفريقي طهران والتقى مسؤولين هناك، وأشاد بالعلاقات بين البلدين، ووفقاً لمكتب رامافوزا، فإن هذه الخطوة لم يكن الرئيس على علم بها أو حتى وافق عليها.
بالنسبة لجنوب أفريقيا، فإن هذه المناورات البحرية كانت رسالة سياسية واضحة أكثر من كونها تدريبًا عسكريًا فنيًا؛ إذ تهدف لإظهار قدرة بريتوريا على لعب دور مستقل في السياسة الإقليمية والعالمية.
ويرى المحللون أن الموقف الداخلي في البلاد لا يقل تعقيدًا؛ إذ يواجه الرئيس انتقادات من داخل حزبه "المؤتمر الوطني الأفريقي"؛ إذ يرى بعض الأعضاء أن سياسات رامافوزا تتأثر بشكل مفرط بالضغوط الأمريكية، خاصة من الرئيس ترامب، ويعتبرون أن بلادهم تتنازل عن استقلالها الدبلوماسي.
في المقابل، يؤكد المتحدث باسم الرئيس أن رامافوزا سعى إلى حماية مصالح بلاده الوطنية عندما حاول تقليص مشاركة إيران، معتبرًا أن هذا القرار يعكس "الحكمة والواقعية" وليس تخليًا عن السيادة.
ويعتقد مراقبون أن التوترات الأخيرة تضع جنوب أفريقيا أمام سؤال إستراتيجي: كيف يمكنها الحفاظ على مكانتها كلاعب رئيس في "بريكس"، والتأكيد على استقلالها، وفي الوقت نفسه، الحفاظ على علاقة متوازنة مع واشنطن، ثاني أكبر شريك تجاري لها؟
وحذَّر المراقبون من أن البلاد قد تواجه قيودًا محتملة على برامج التجارة التفضيلية مع واشنطن، التي أقرها الكونغرس الأمريكي مؤخرًا، وتنتظر تصديق مجلس الشيوخ؛ ما يجعل الأزمة أكبر من مجرد خلاف سياسي، لتصبح مسألة اقتصادية وجيوسياسية في الوقت نفسه.