بدأت ليبيا العدّ التنازلي لمناورات "فلينتلوك 2026" وسط توقعات بأن تسهم في دفع جهود توحيد المؤسسة العسكرية، إذ ستشهد مشاركة قوات من الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر إلى جانب قوات من غرب البلاد.
وتنظم هذه المناورات قوات القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، ومن المقرر أن يشارك فيها نحو 1500 جندي من أكثر من 30 دولة. ويأتي هذا التحرك في ظل ضغوط أمريكية لدفع عملية توحيد الجيش الليبي وتعزيز الاستقرار العسكري في البلاد.
يرى المحلل السياسي الليبي، الدكتور خالد محمد الحجازي، أن "أهمية هذه التدريبات لا تنبع فقط من طبيعتها الدولية، بل من كونها تأتي بحسب ما يُتداول في سياق تنسيق غير مسبوق بين قوات من الشرق بقيادة المشير خليفة حفتر وقوات من غرب ليبيا، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية: هل نحن أمام خطوة فعلية نحو توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، أم أنها مجرد محطة تكتيكية مؤقتة؟"
وقال الحجازي لـ"إرم نيوز": "تاريخيًا، شكّل الانقسام العسكري أحد أبرز أسباب تعثر المسارات السياسية في ليبيا، فقد ظل الشرق والغرب يمتلكان هياكل قيادة منفصلة، وأولويات مختلفة، وتحالفات متباينة داخليًا وخارجيًا. لذلك، فإن أي تدريب مشترك أو تنسيق ميداني، حتى وإن كان محدودًا، يمكن اعتباره اختبار ثقة أكثر من كونه اندماجًا حقيقيًا. فمجرد جلوس عناصر من الطرفين في غرفة عمليات واحدة، أو العمل ضمن سيناريوهات تدريبية مشتركة، يحمل إشارة إلى إمكانية فتح قنوات تواصل أوسع لاحقًا".
وشدد على أن "اختيار سرت موقعا للتدريبات له دلالته أيضًا؛ فهي منطقة وسط بين الشرق والغرب، ومثلّت في مراحل عديدة نقطة تماس حساسة، لكنها في الوقت ذاته قادرة على التحول إلى مساحة 'توافق' إذا توفرت الإرادة السياسية والضمانات الأمنية. كما أن سرت قريبة من ملفات استراتيجية كالهلال النفطي وخطوط الإمداد نحو الجنوب، ما يجعلها بيئة مناسبة لتجريب ترتيبات أمنية جديدة".
ولفت الحجازي إلى أنّه"من ناحية واشنطن، يبدو أن الهدف يتجاوز التدريب العسكري التقليدي إلى خلق مسار أمني أولًا يساعد على تقليل احتمالات المواجهة، ويحد من تمدد نفوذ القوى الخارجية والمرتزقة، ويدفع نحو تعاون في ملفات مثل مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود ومواجهة شبكات التهريب".
وأنهى حديثه بالقول: "مع ذلك، فإن توحيد المؤسسة العسكرية بشكل كامل لا يزال معقدًا، لأن ملفات مثل القيادة العليا، والشرعية، ودمج التشكيلات المسلحة، وتوزيع المناصب والميزانيات، تحتاج إلى تسوية سياسية شاملة وليس مجرد مناورات (...) وعليه، فإن فلينتلوك قد تُمهّد لتوحيد وظيفي جزئي وتنسيق تدريجي، لكنها ليست وحدها كافية لإنهاء الانقسام التاريخي ما لم تُستكمل بإرادة سياسية واضحة وخطوات عملية مستدامة".
تأتي هذه المناورات في وقت تشهد فيه ليبيا جمودًا سياسيًا مستمرًا منذ انهيار الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي كان مقررا عقدها عام 2021.
واعتبر المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الليبية، محمد صالح العبيدي، أنّه "رغم الحراك الأمريكي المتسارع في ليبيا لدفع عدد من الملفات المهمة على غرار توحيد المؤسسة العسكرية وتوحيد الإنفاق، فإنّ هناك عقبات كبيرة قد تعيق هذه الجهود".
وأوضح العبيدي لـ"إرم نيوز" أنّ "من أبرز تلك العقبات الخلافات بين الفرقاء الليبيين بشأن مناصب عليا في الجيش على غرار القائد العام وإمكانية إدماج عناصر الميليشيات في الجيش وغيرهما".
وتابع: "مع ذلك، يُعدّ جمع قوات الجيش مع قوات غرب ليبيا في مناورات مشتركة حدثًا نادرًا ينبغي التوقف عنده، وقد يمهد لاختراق ما في هذا الملف".