logo
العالم

"استيقظي أو نامي في الظل" .. روبيو يقدم 8 دروس "قاسية" لأوروبا

روبيو في مؤتمر ميونيخالمصدر: أسوشيتد برس

عندما تحدث وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في مؤتمر ميونيخ للأمن قبل أيام، لم يسمع المسؤولون الأوروبيون انقطاعاً في العلاقات، بل إعادة توازن.

كان خطاب روبيو هادئاً في نبرته، بعد تأكيده بأن أوروبا والولايات المتحدة "تنتميان معاً"، وأعاد التأكيد على أهمية حلف الناتو، وقدم مطالب واشنطن كدعوة لشراكة لا للانسحاب. 

وفي الوقت نفسه، لم يبتعد عن خطاب الرئيس دونالد ترامب بشأن غرينلاند، ولم يتعمق في الحديث عن أوكرانيا أو روسيا. 

رسالة واشنطن كانت واضحة في مؤتمر ميونيخ بحسب خبراء، ومفادها وفقًا لهم أن التحالف مستمر، لكنه على شروط معدلة، وهذا ما يتطابق مع تفسير معظم الصحافة الأوروبية.

أخبار ذات علاقة

ماركو روبيو

وسط توترات عابرة للأطلسي.. روبيو يصف أمريكا بـ"ابنة أوروبا"

الطمأنة الاستراتيجية

بدا التصفيق في ميونيخ تعبيراً عن الارتياح أكثر من الحماس، وهو ارتياح يتمثل بانخفاض درجة الحرارة بعد أشهر من التوتر، وبقاء لغة التحالف سليمة. 

لكن الارتياح لا ينبغي الخلط بينه وبين الطمأنة الاستراتيجية الحقيقية، وفق قراءة بعض المراقبين.

ردود الفعل الأوروبية كشفت عن هذا الازدواج، إذ قالت أورسولا فون دير لاين إنها شعرت بالطمأنينة. 

وأشارت رئيسة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إلى أن الأوروبيين "تنفسوا الصعداء".

أما الرئيس الفنلندي ألكسندر شتوب فقد لاحظ أن روبيو خفض درجة الحرارة في العلاقة، حتى لو بقي المضمون إلى حد كبير دون تغيير.

من جهته، حذر وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس من أن التشكيك في سلامة أراضي أعضاء الناتو وتهميش الأوروبيين في مفاوضات الأمن يهدد بإضعاف التحالف. 

أخبار ذات علاقة

قادة أوروبا

ترامب يهز التحالف الأطلسي.. مؤتمر ميونيخ يكشف أزمة الثقة العميقة

اتساع الفجوة الثقافية

أما المسؤولون النمساويون فقد علقوا بأن "المضمون لم يتغير شيئاً". وفي باريس، أشار صانعو السياسات إلى اتساع الفجوة الثقافية عقب تهديدات الرسوم الجمركية وانتقاد النموذج التنظيمي الأوروبي.

تكمن الاختلافات أقل في الخطاب وأكثر في الافتراضات الأساسية، بعد أن أعاد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التأكيد على مواضيع مألوفة من نائب الرئيس جي دي فانس، تتمثل بالسيادة، وتقاسم الأعباء، والشكوك تجاه ما وصفه بالإفراط الأيديولوجي في الغرب. 

ليس الأمر دعوة للانسحاب، بل لإعادة توازن حول المصلحة الوطنية والمنافسة الاستراتيجية، حيث عكست التعليقات الأمريكية هذا الإطار. 

سمع الكثيرون في الخطاب دفاعاً مباشراً عن القوة الأمريكية، ناهيك عن رسالة واضحة بأن أوروبا بحاجة إلى تحمل المزيد من العبء أو المخاطرة بالتهميش. 

وما برز بالقوة نفسها هو ما لم يقله روبيو، بعد أن تجاهل ذكر روسيا صراحة، مما عمق الشعور بأن واشنطن والعواصم الأوروبية غير متفقة تماماً على رؤية مشهد التهديدات.

السيادة ومعضلة أوروبا 

في هذا الإطار، يقول تقرير نشره موقع "Modern Diplomacy" إن الاقتراح الأساسي لروبيو هو أن الولايات المتحدة تبحث عن شركاء أوروبيين واثقين من هوياتهم الوطنية، مستعدين للاستثمار في الدفاع، وقادرين على التصرف استراتيجياً إلى جانب واشنطن.

وبحسب التقرير، يتقاطع هذا النداء مع نقاش أكاديمي طويل الأمد حول التكامل الأوروبي. 

"الخلاف المقيد"

ففي العقود الأولى من المشروع الأوروبي، تقدم التكامل تحت ما أسماه العالمان السياسيان ليون ليندبرغ وستيوارت شاينغولد "إجماعاً متسامحاً" – قبول عام واسع لتعميق التعاون بقيادة النخب. 

تحولت هذه البيئة إلى ما وصفته ليسبيت هوغه وغاري ماركس لاحقاً بـ"الخلاف المقيد"، حيث أصبح التكامل موضوعاً سياسياً متنازعاً وانتخابياً بارزاً.

كما يوضح ليندبرغ وشاينغولد، خلال عصر "الإجماع المتسامح"، قبل الأوروبيون إلى حد كبير التكامل بقيادة النخب دون مساءلة التنازلات – سياق يبرزه خطاب روبيو أنه قد تغير الآن.

لكن هذا، بحسب التقرير، يخلق توتراً هيكلياً داخل الاتحاد الأوروبي. فعلى مر السنين، انتقلت المزيد من سلطات اتخاذ القرار إلى المستوى الأوروبي – خاصة في القواعد المالية والتنظيم والتجارة. 

لكن عندما يتعلق الأمر بالهوية السياسية والولاء، والكلام على لسان التقرير، يشعر معظم الناس بهذا الارتباط على المستوى الوطني.

كما يجادل فريتز شاربف، تعتمد الأنظمة السياسية على "شرعية الإخراج" – حل المشكلات بفعالية – و"شرعية الإدخال" – التفويض الديمقراطي. 

غالباً ما برر الاتحاد الأوروبي سلطته بالأداء. لكن في بيئة مسيسة، قد لا يكفي الأداء وحده.

وهنا، تظهر استطلاعات "يوروباروميتر" تقلبات في الثقة بالمؤسسات الأوروبية، وتعزيزاً مستمراً للهوية مع الأنظمة السياسية الوطنية. 

انتخابات البرلمان الأوروبي، ورغم ارتفاع نسبة المشاركة في 2019 و2024، تظل تاريخياً أقل إثارة من الانتخابات الوطنية. هذا الاختلال بحسب التقرير يمثل سلطة مشتركة في القمة، لكن الشرعية لا تزال تعيش أساساً داخل الدول القومية – لم يُحل بعد.

ويتعلق خطاب روبيو في ميونيخ مباشرة بهذه القضية، حيث يبرز تداعياتها على صانعي السياسات الأوروبيين، والدروس التي يجب أخذها بعين الاعتبار، وهي حاسمة لحل قضايا السيادة والتكامل والديمقراطية.

أخبار ذات علاقة

مؤتمر ميونيخ

رغم تطمينات روبيو.. لماذا فقد الأوروبيون الثقة بترامب؟

8 دروس رئيسية لأوروبا

يؤكد تقرير موقع "Modern Diplomacy" أن خطاب روبيو في ميونيخ يهم صانعي السياسات الأوروبيين بدرجة بالغة، بعد أن قدم لهم 8 دروس رئيسية:

1.   تذكروا ما تحمون: لا يقاتل الناس من أجل مبادئ مجردة – بل من أجل عائلاتهم ومجتمعاتهم وطريقة حياتهم. عندما تتخذ أوروبا قرارات كبرى، يجب أن تبقى متجذرة في تاريخها وثقافتها. 

2.   الارتياح ليس قوة حقيقية: يبدو الأمر أسهل عندما تخفف واشنطن الضغط أو تتبنى نهجاً أكثر ودية. لكن ذلك ليس نفسه كونك قوياً. لا تزال أوروبا بحاجة إلى قوة حقيقية – في الدفاع والاقتصاد والسيادة – لمواجهة ما هو قادم، داخلياً وخارجياً.

3.   السيادة لا تزال الأهم: الاعتماد على حدود مفتوحة أو سلاسل توريد أجنبية أو منظمات دولية لن يحل محل السيادة الحقيقية. يجب على الاتحاد الأوروبي أن يأخذ السيطرة على الحدود والأمن الصناعي على محمل الجد إذا أراد البقاء آمناً.

4.   القوة الاقتصادية تعني حرية استراتيجية: اختارت أوروبا نزع الصناعة ونقل الصناعات الرئيسية إلى الخارج. لم يكن ذلك حتمياً. الآن، إذا أرادت أوروبا حرية اقتصادية واستراتيجية حقيقية، فعليها إعادة بناء عمودها الفقري الصناعي والتكنولوجي. 

5.   يجب أن يقف الحلفاء أقوياء: تتوقع الولايات المتحدة شركاء قادرين ومستقلين ومستعدين للدفاع عن أنفسهم. القوة، لا الخضوع أو الشعور بالذنب، تشكل العمود الفقري لتحالف موثوق.

6.   التراث المشترك يشكل الشراكة: التراث المشترك بين أوروبا والولايات المتحدة، الذي يمتد عبر قرون من التاريخ والثقافة والقيم المشتركة، مهم للشراكة بقدر أهمية التحالفات العسكرية أو الاقتصادية.

7.   القيادة تتطلب فعلاً لا كلاماً فقط: المؤسسات والمعاهدات لا تكفي؛ أحياناً يجب اتخاذ قرارات صعبة لحماية المواطنين ومنع التهديدات. يجب على أوروبا أن تكون مستعدة للعمل مع حلفائها.

8.   بناء المستقبل معاً: يمكن للولايات المتحدة السير وحدها إذا لزم الأمر، لكن طريق النجاح الحقيقي يتطلب العمل المشترك. يجب على أوروبا أن تلعب دوراً نشطاً في بناء عالم غربي آمن ومزدهر وموحد.

شراكة على شروط معدلة

ويلفت التقرير النظر إلى أن الردود الأوروبية تكشف عن التوازن الاستراتيجي. إذ أيدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إبداء مسؤولية أوروبية أكبر داخل الناتو، مع التأكيد على أن "الاستقلال لا يعني الانفصال" عن الولايات المتحدة.

وأكدت الحكومات الشمالية ومسؤولو الدفاع أن أوروبا، رغم ضرورة تعزيز قواتها التقليدية، لا تزال تعتمد على المظلة النووية الأمريكية للردع – واقع أبرزه مفوض الدفاع والفضاء الأوروبي أندريوس كوبيليوس، الذي لاحظ أن الأوروبيين لا يمكنهم حالياً استبدال الحماية النووية الأمريكية حتى مع تعزيز قدراتهم الخاصة.

في الوقت نفسه، شدد الأمين العام لحلف الناتو مارك روته على أن أوروبا، "لا تستطيع الدفاع عن نفسها بدون الولايات المتحدة"، وأن واشنطن تتوقع من الأوروبيين تحمل المزيد من عبء الدفاع التقليدي مع الحفاظ على الضمانة الأمنية العامة التي تقدمها الولايات المتحدة.

وأوضح روبيو في براتيسلافا أن واشنطن تبحث عن شركاء أوروبيين ليسوا حاضرين فقط، بل قادرون ومستعدون لتحمل مسؤولية أكبر عن دفاعهم الخاص.

وفي لقائه مع رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيتسو الأحد الماضي – أول محطة في جولته بأوروبا الوسطى التي تستمر في المجر – أكد أن الولايات المتحدة لا تنسحب من أوروبا، لكنها تتوقع من الدول الأوروبية تحمل حصة أكبر من عبء الدفاع.

كما تبرز لقاءات روبيو مع سلوفاكيا والمجر، بحسب الخبراء، تحولاً أوسع في التعامل الأمريكي، إذ إن واشنطن ترى أوروبا الآن كشبكة من الفاعلين السياديين بدلاً من التعامل حصرياً عبر بروكسل. 

هذا النهج لا يقلل من دور الاتحاد الأوروبي، لكنه يضيف طبقات جديدة من التعقيد إلى تماسك أوروبا، بحسب ما جاء في التقرير. 

أخبار ذات علاقة

زيلينسكي مع ترامب وقادة أوروبا

رغم طمأنة روبيو.. قادة أوروبا يتطلعون لانتخابات التجديد النصفي لكبح "جنون ترامب"

الشرعية قبل القدرة

وأضاف تقرير الموقع أنه "بعد عام من التحذيرات التي أُطلقت في مؤتمر ميونخ للأمن 2025، لم يعد بإمكان أوروبا الاعتماد على تعديلات تدريجية أو فنية".

ولفت إلى أن إشارات الالتزام المشروط الأمريكية، وحرب روسيا، والمنافسة النظامية مع الصين، قد بددت أي غموض متبقٍّ، مشيرة إلى أن عصر البراءة الجيوسياسية انتهى، والحماية الخارجية لم تعد مضمونة.

ورغم أن أدوات مالية جديدة تحققت، إضافة إلى ازدهار في تنويعات الشراكات، وتشكل الوعي الجماعي، إلا أن التحدي الأساسي لا يزال دون حل، بحسب التقرير.

وأضاف "اختبار أوروبا ليس مالياً أو عسكرياً فقط بل إنه سياسي عميق". 

ويشير هنا إلى أن المهمة ليست مجرد رفع الإنفاق الدفاعي، بل إعادة بناء التوافق الديمقراطي الذي يمكنه وحده دعم التحول الاستراتيجي طويل الأمد.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC