أعاد تسريب مراسلات عسكرية مصنّفة "سرية" في الكاميرون، إلى الواجهة إشكالية عميقة تتجاوز حادثة معزولة أو خرقًا إداريًا عابرا، ما كشف عن فوضى معلوماتية متنامية داخل مؤسسات الدولة الكاميرونية، وفي قلبها المؤسسة العسكرية التي يفترض أنها الحصن الأشد انضباطًا وسرّية.
وبحسب "جون أفريك"، فإن القضية تفجّرت عقب تداول رسالة مؤرخة في 18 ديسمبر/كانون الأول 2025، موقّعة من قائد المنطقة العسكرية المشتركة الثانية، الجنرال نغولو نغومبا توبي غابرييل، وموجّهة إلى المدير العام لشركة الكهرباء «إينيو» في دوالا، يطلب فيها تبرعاً بـ10 مركبات من نوع "تويوتا لاند كروزر" لتعزيز القدرات اللوجستية لقواته.
ورغم تصنيف الرسالة باعتبارها "سرية"، سرعان ما وجدت طريقها إلى الفضاء الرقمي، مثيرة جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية.
ويرى المحللون أن هذه الرسالة برّرت الطلب بتدهور الوضع الأمني، ولا سيَّما في مدينة دوالا ومحيطها، مشيرة إلى تصاعد أعمال العنف، والتخريب، ونهب الممتلكات العامة والخاصة، ومؤكدة أن المركبات، في حال الموافقة، ستُسجّل رسمياً ضمن ممتلكات القوات المسلحة وفق الإجراءات القانونية المعمول بها، غير أن مضمون الطلب فتح نقاشاً حساساً حول حدود العلاقة بين الجيش والشركات العمومية، وما إذا كان من الطبيعي أن تتحمّل مؤسسة خدمية استراتيجية أعباءً لوجستية ذات طابع عسكري.
لكن الجدل الحقيقي لم يتوقف عند مضمون الرسالة، بل اتسع مع صدور مراسلة ثانية، مؤرخة في 12 يناير/كانون الثاني 2026، ومصنّفة بدورها "سرية"، اعتبر فيها الجنرال أن تسريب الرسالة الأولى يشكّل "كشفاً متعمداً" وانتهاكاً خطيراً لقواعد السرّية والانضباط، ودعا إدارة «إينيو» إلى التعاون الكامل مع تحقيقات الأمن العسكري، وتسهيل وصول المحققين إلى كل الوثائق والسجلات والموظفين المعنيين.
المفارقة أن هذه الرسالة الثانية، التي هدفت إلى احتواء الضرر وضبط التسريب، تعرّضت هي الأخرى للتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، ما عمّق الإحساس بأن السيطرة على الوثائق الحساسة داخل المؤسسة العسكرية باتت شبه مفقودة، وأن آليات حماية المعلومات لم تعد قادرة على أداء وظيفتها.
هذه الحادثة لا تبدو استثناءً في السياق الكاميروني، ففي فبراير/شباط 2019، سبق أن تسرّب إلى العلن مخطط رحلة الرئيس الكاميروني، في توقيت بالغ الحساسية، وسط تهديدات أطلقها نشطاء من الشتات عقب الانتخابات الرئاسية لعام 2018، ما أثار حينها قلقاً بالغاً في أعلى هرم الدولة، كما أن ملف التحقيق في قضية الصحافي مارتينيز زوغو، الذي كان يُنظر إليه كأحد أكثر الملفات حساسية وسرّية، انتهى بدوره إلى التداول خارج الأطر الرسمية.
ويعتقد مراقبون أن تكرار هذه الوقائع يعكس نمطاً مقلقاً: وثائق مصنّفة "سرية" أو "شديدة الحساسية" تغادر باستمرار دوائرها المغلقة لتتحول إلى مادة عامة، سواء بدافع الاحتجاج، أو التسريب المتعمد، أو ضعف الضبط الداخلي.
وفي هذا السياق، يظهر الجيش، لا كجهاز متماسك يحمي الدولة ومؤسساتها، بل كفاعل تتسرّب من داخله التوترات والانقسامات، ما يجعله في قلب الجدل السياسي والميداني بدل أن يكون فوقه.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الفوضى المعلوماتية عاملاً إضافياً يربك المشهد الكاميروني، ويضع مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش، أمام اختبار صعب يتعلق بمصداقيتها، وانضباطها، ودورها الحقيقي داخل الدولة.