من قطعة لحم في محل جزارة صغير إلى إمبراطورية اقتصادية بآلاف مليارات الدولارات تشمل كل شيء من الشامبو إلى التمويل الإسلامي.
هذا هو مسار سوق "الحلال" الذي تحول في أقل من أربعة عقود من ممارسة دينية هامشية إلى صناعة عملاقة تثير تساؤلات حول حدود الحرية الدينية واحتمالات التوظيف السياسي.
في فرنسا، يحذر خبراء من أن هذا السوق أصبح "حصان طروادة" لاختراق المجتمعات العلمانية وفرض أنماط حياة موازية.
من الهامش إلى القلب
تشرح عالمة الأنثروبولوجيا في المركز الوطني للبحث العلمي فلورنس بيرجو-بلاكلر، في كتابها "الجهاد عبر السوق"، كيف أن سوق الحلال "الحديث" ظهر فعليًا مع صعود الحركات الإسلاموية منذ الثورة الإيرانية عام 1979.
كلمة "حلال" التي تعني "مباح"، ظلت لقرون محصورة في الغذاء، لكنها تمددت تدريجيًا حتى باتت تشمل "تقريبًا جميع سلع الاستهلاك والخدمات".
تؤرخ الباحثة لنقطة تحول حاسمة: اعتماد منظمة الكوديكس الغذائي الدولية لمعايير الحلال عام 1997، ما أضفى شرعية دولية على توسع هذا السوق، في مؤتمر 2012، أُعلنت الأولوية لتوحيد معايير الحلال تحت شعار: "شعار حلال واحد، معيار واحد: متحدون ننجح - منقسمون نفشل".
في فرنسا، بدأ الأمر في الثمانينيات مع مجازر "بلدية" تحولت إلى "مجازر حلال" صريحة، بالنسبة لجزء من الشباب المهاجر، أصبح الحلال "علامة هوياتية" أسهل من الالتزام الديني الصارم.
الإخوان وتحويل المستهلك إلى جندي
هنا يبرز دور الإخوان المسلمين في تسييس الاستهلاك، تكشف بيرجو-بلاكلر أن الحركة ترى في 1.3 مليار مسلم "وسيلة لتوحيد وإيقاظ الأمة الإسلامية عالميًا".
يقول أحد قادتهم: "بممارسة قوتهم في الاقتصاد العالمي، يستطيع المستهلكون المسلمون إجبار أعداء الإسلام على إدراك أننا أحياء".
تُستخدم استراتيجية "البويكوت" ونقيضه "البايكوت" (الشراء الداعم) كأسلحة سياسية، مثال "كولا فلسطين" الذي أُطلق في السويد وشهد ارتفاعًا بنسبة 40% في مبيعاته بالتزامن مع مقاطعة كوكاكولا المتهمة بدعم إسرائيل.
حتى السيناتور الشيوعي إيان بروسا صوّر نفسه يروّج للمنتج، في مشهد يعكس تحالفات غير متوقعة.
الأخطر، حسب الباحثة، هو خلق "اقتصاد موازٍ"، تُشجع الحركة المسلمين "المميَّز ضدهم" على تأسيس مؤسسات "حلال"، حيث يمارسون دينهم كاملًا، تتغذى هذه "الحاضنة" من "خطاب الضحية" حول الإسلاموفوبيا، محولة التمييز المزعوم إلى "استثمار رابح".
منطق المزايدة والسيطرة على الخطاب
أبرز ما يثير قلق الباحثة هو "منطق المزايدة": "هناك دائمًا أكثر حلالًا من الحلال"، قد تُستبعد شركة لروابط مفترضة مع إسرائيل، فيصبح منتجها "حرامًا" وتُطلق المقاطعة، هذه الديناميكية تحوّل الحلال إلى "أداة للتأطير الأخلاقي" مع خطر "الانفصال المجتمعي".
توازيًا، تكشف دراسة بريطانية (Policy Exchange 2025) أن منظمات كـ"مركز مراقبة الإعلام" التابع لمجلس المسلمين البريطاني تسعى لـ"السيطرة على السردية"، مقترحة "مواثيق" لغرف الأخبار تحظر مصطلحات مثل "إسلاموي" أو "إرهابي إسلامي".
الهدف: إعادة تعريف "الخطاب المشروع" حول الإسلام وتجريم النقد باسم محاربة "الإسلاموفوبيا.
من الاقتصاد إلى السياسة
التحذيرات من "الأسلمة عبر السوق" لم تعد محصورة في الأوساط الأكاديمية.
في 22 يناير الماضي، تبنت الجمعية الوطنية الفرنسية قرارًا (غير ملزم) بأغلبية 157 صوتًا مقابل 101، يطالب بإدراج الإخوان المسلمين على قائمة المنظمات الإرهابية الأوروبية.
القرار، الذي طرحه حزب الجمهوريين اليميني، استند إلى تقرير وزارة الداخلية (مايو 2025) حول "الإخوان المسلمين والإسلام السياسي في فرنسا"، متهمًا الحركة باستراتيجية "التسلل والخطاب المزدوج" لفرض أيديولوجية إسلاموية.
تحولت المناظرة البرلمانية (5 ساعات) إلى معركة بين اليسار واليمين المتطرف، بتبادل اتهامات بـ"العنصرية" و"معاداة الإسلام" و"التواطؤ مع الإسلاموية".
الحكومة أبدت تحفظات على القرار، محذرة من "نزاعات قانونية" أمام محكمة العدل الأوروبية لعدم وجود "استمرارية تنظيمية ممنهجة" تربط الإخوان بأعمال إرهابية في أوروبا.
لكن كتلة الوسط صوتت مع اليمين واليمين المتطرف لصالحه، بينما رفضه اليسار معتبرًا أنه يهدف إلى "وصم المسلمين".
في المحصلة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل سوق الحلال مجرد حرية دينية مشروعة، أم أداة لبناء مجتمع موازٍ يتحدى العلمانية الفرنسية؟